لم تتمكن السنوات السبعة وثلاثون عاماً التي مرت على إستشهاده من إزاحة حضور غيابه الطاغي ، فوجع تلك اللحظة ، عندما تمكنت منه قنبلة عنقودية ، مازال حياً وطرياً في الوجدان، وما زال أيضاً يرسم لنا معالم طريق لم يُكتمل بلوغه بعد. كما أن حضوره الذي كان طاغياً وذكاءه الملفت وتفانيه النادر لم تطويه أو تنل منه تلك السنوات الممتدة من جسرالحاصباني إلى اسدود التي إقتلع أهله منها ولم يكن قد مُنح الحياة بعد ... حتى مخيم الشاطئ الذي ولد فيه وخَطى بين أزقته مشوار كفاحه مع أبناء جيله في ظل النكبة و قساوتها. بل، ربما أن ندرة ما إمتلكه الشهيد من صفات شخصية بالقياس مع ما هو سائد في لحظتنا الراهنة، حيث نفتقد هذه الصفات، تجعل من حضور غيابه مهيمناً ليس فقط على ذكرى إستشهاده، بل بضرورة التشبث أكثر بالأمل الذي قدم حياته وروحه من أجل تحقيقه.
لم يكن "بشير زقوت" مجرد واحداً من أبناء جيل النكبة الذي ولد ونشأ وترعرع في مخيمات اللجوء، وعركته الحياة في عواصم الترحيل ومراكز الإعتقال العربية، بقدر ما كان متمردا على النكبة وهزيمة ٦٧ ومدى خنوع تلك العواصم . عاش وقضى وروحه المشرقة تبث الأمل وتزرع التفاني من أجل خلاص قادم قلَّ من كانوا قادرين على رؤيته في تلك الأيام.
إن ذكرى إستشهادك يا بشير، وأنت تواجه مع قوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية الإجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني في ربيع 1978، موحدين تحت شعار " لا صوت يعلو صوت تحرير الجنوب"، هي مناسبة ملحّة لنا نحن الذين عايشناك وواكبنا درب الكفاح القاسي بانجازاته و تراجعاته، بأن نتوقف ونفكر ولو قليلاً لإستخلاص عبر تلك السنوات ومحطاتها و دروسها . فشعار وحدة المواجهة دفاعاً عن الجنوب أثمر بعد سنوات ليست طويلة إنتفاضة شعبية مجيدة عام 1978 بدأت في تصويب مسار التاريخ والقضية الوطنية ، حيث جسدت شعارها بأن " لا صوت يعلو على صوت الانتفاضة". نعم لقد كانت محطات كفاحية مترابطة كسلسلة طويلة نحو هدف لن يخبو مهما شهد من تراجع أو بدا وكأنه بعيد. فسنوات الأمل وفرسانها لن تُقهر أمام لحظات الإحباط وإن بدت عاتية لا فكاك منها.
إن أرواح الشهداء .... كل الشهداء تعود وتحلق في فضائنا الملبد ، وتبث فينا دوماً بصيص أمل كم نحن بحاجة إليه، ليس فقط لنحمي تضحياتهم أو نحيي ذكراهم الخالدة، بقدر ما نسلتهم من هذة التضحيات وتلك الذكرى إستحقاقات المستقبل لأجيالنا القادمة و البسمة التي يستحقونها في لحظة الخلاص التي قدموا أرواحهم من أجلها.
لذكراك وردة حمراء نضعها على مثواك في مقبرة شهداء فلسطين في بيروت، ولروحك التي لم تغادر فضاء فلسطين عهد بأن نظل نربي الأمل الذي زرعه الشهداء و عذابات أمهاتهم حتى يثمر بسمة على شفاه أطفال فلسطين ، و كم يستحقونها.
