الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

"عودةٌ تحت ظل الغياب"

"عودةٌ تحت ظل الغياب"

تاريخ النشر: 2024-11-12 | 16:24

بعد غياب واحد وعشرين عامًا عن وطني الثاني ، عدتُ في حالة من الانكسار الداخلي والوجع، محمّلةً بالهموم والألم الثقيلين. كانت الأشواق والوجع كظلٍ ثقيلٍ يلاحقني. رجعت لأرى والدي المريض الذي يرقد في غرفة العناية المركزة، وقد تكون هذه آخر مرة أراه فيها.

 

لحظة وصولي، لم أصدّق أنني عدت إلى أرضي. ركبت السيارة ونظرت إلى الشوارع التي بدت لي غريبة، وقد تغيّرت ملامحها، وتقلّصت الأشجار التي كانت تظلّل الطريق. جلست مع عائلتي، الذين لم أرهم منذ زمنٍ طويل، وكأنني توقعت أن أجدهم كما تركتهم، ودودين كما كانوا. لكنني شعرت بمسافة زمنية تباعد بيننا.

 

ثم تذكرت صديقتي المقرّبة هبة. همست لنفسي: "أتمنى أن ألتقي بها." تُرى، هل تزوجت؟ ربما أصبحت أمًّا الآن. سأذهب إلى بيتها القديم وأتحدث مع حارس البناية؛ لعلّه يرشدني إلى عنوانها الجديد. وربما لم تتزوج وبقيت كما عهدتها، تسكن في ذلك البيت المطلّ على النيل، الذي طالما زرته، حيث كنا نجلس ونتشارك كوبًا من النسكافيه. ربما حققت حلمها ونالت درجة الدكتوراه، وربما تعمل في المجال الأكاديمي الآن.

 

تراودني الأفكار، فيغمرني شعورٌ بالترقب والقلق. بعد غدٍ سأذهب إليها، سأبحث عنها وأراها.

 

بينما كنت غارقةً في أفكاري، قالت والدتي بوجهٍ مشوبٍ بالحزن: "والدك تحسّن منذ رؤيتك، تحسّن كثيرًا."

 

أجبتها بامتنانٍ: "الله يشفيه، لقد لاحظت ذلك."

 

ثم تابعت والدتي: "تعالي يا ابنتي، غدًا سنذهب إلى النادي. أريد أن أجدد العضوية، ونقضي بعض الوقت في حديقة النادي."

 

"نعم، بالتأكيد، والدتي."

 

في الساعة الخامسة من مساء اليوم التالي، ذهبنا إلى النادي، جلسنا في الحديقة، وكان الحديث يدور حول والدي. والدتي لا تتوقف عن سرد تفاصيل حالته، وأنا أبادلها الكلام، بينما ذهني يرحل بعيدًا نحو هبة. أفكّر متى سأراها، وماذا أقول لها عندما ألتقي بها.

 

رغم علم والدتي بكل ما عانيته في الغربة، لم تسألني عن أحوالي، لم تسأل عن تعبي الذي حملته معي عبر السنين. ظلت منشغلةً بوالدي، وأنا منشغلةً بهبة.

 

تراقبني مشاعر مختلطة وأنا أنتظر رؤية هبة. كيف سيكون لقاؤنا بعد غياب؟ تُرى، هل تغيّرت أم لا تزال هي كما عرفتها؟ أجدني أغوص في الذكريات والأسئلة بينما أجلس بجوار والدتي في النادي، أراقب المارة حولي. شاب يمر مرتديًا ملابس رياضية، يمسك كرة القدم بيده. وأرى امرأة مسنّة بيدها طفل صغير يبدو أنه يرغب بالركض بعيدًا.

 

الجو صافٍ، والشمس على وشك الغروب، تتوهج بظلالها الناعمة على المساحات حولنا. تمر من أمامي فتاة ترتدي بنطالًا أزرق وسترة حمراء، أراها من الخلف وأستغرق في تفاصيلها: خصرها الرشيق، وأناقة ملابسها. تسير مبتعدةً حتى تتلاشى عند نهاية الطريق، وتبقى أفكاري تتنقل معها.

 

تشعر والدتي بشرودي فتسألني: – هل تودين شرب شيء؟

 

أجيبها بابتسامة خفيفة: – لا، النسكافيه كافٍ.

 

تتحدث معي والدتي عن بدايات مرض والدي، عن تعبها ومشقتها خلال رحلة العلاج الطويلة. أستمع لها وأشعر بعمق ألمها، لكن عيني تعودان للطريق الممتد في النادي، وتعود أفكاري لهبة. غدًا سأذهب إليها، سأعرف كيف مرت بها السنين، هل لا تزال جميلةً طيبةً كما عرفتها، هل لا تزال تحمل تلك الروح التي تحب الضحك والمرح، التي تغمرني بالحديث والحياة.

 

أفكاري تقاطعها نظرة سريعة للفتاة التي مرت أمامي سابقًا، ها هي تعود مجددًا، تقترب مني وتكشف عن وجهها شيئًا فشيئًا. فجأة، تدبّ في قلبي مشاعر غير متوقعة: إنها هبة!

 

أسرع إلى والدتي بلهفة: – إنها هبة! أترينها؟

 

تضحك والدتي وتقول: – ربما تتخيلين، أهي مجرد أمنية؟

 

لكنني أصرّ وأقرر أن أناديها بصوت عالٍ، وأقول بحماسة: – هبة! هبة!

 

تلتفت الفتاة، تحدق بي لوهلة، ثم تبتسم وتقترب: – من يناديني؟

 

أقفز من مكاني وأتجه نحوها بفرح غامر، وأقول: – أليس أنتِ هبة؟ أنا لطيفة!

 

تحدق فيّ بدهشة وكأنها تحاول استيعاب ملامحي المتغيرة، ثم تعانقني قائلة: – لا أصدّق، تغيّرتِ كثيرًا!

 

أمسك بيدها وأدعوها للجلوس معنا. تحدثنا، تبادلنا الحكايات، ضحكنا على ذكرياتنا القديمة وكأن السنين لم تمضِ بنا. كانت فرحة اللقاء عارمة، وهبة كانت أسعد مني بلقائنا.

 

ومنذ ذلك اليوم، أصبحنا نتقابل بانتظام في النادي، مرةً نتحدث في الحديقة، وأخرى على التراس، نستعيد تفاصيل رحلتنا في الحياة، ونلملم ما تفرق من أيامنا، وكأننا نحاول إعادة بناء كل ما فاتنا معًا.

 

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط