مع دخولنا الاسبوع الثاني من عودة مسلسل التفجيرات الانتحارية والمخططات الارهابية الى الساحة اللبنانية، بدأت تتكشف أسباب عودة هذا المسلسل ومن يقف وراءه. ومع اشتداد القبضة الامنية وإحكام الخناق على حركة الارهابيين، صار الحديث في السياسة أرحب واكثر شمولاً. ولعل الملف الامني الحاضر الابرز هذه الايام في مجالس حزب الله وقيادات 8 آذار، اذ تتحضر هذه الاحزاب للقيام بجولة دعم ومؤازرة لقادة الاجهزة الامنية وقيادة الجيش كما تقوم بزيارة تعارف للسفير الايراني الجديد ولتأكيد التحالف مع طهران الداعمة للمقاومة ولصمودها في لبنان وسورية والعراق وفي وجه المد التكفيري الداعشي والقاعدي.
ولا تغيب عن هذه المجالس اسئلة باتت اجوبتها محيرة ومقلقة ويفترض بـ "الشريك الآخر" في الوطن ولا سيما حكومياً الاجابة عليها. فإذا كان الاتفاق على تحصين الامن داخلياً والسير معاً ويداً بيد لمكافحة الارهاب وتنفيذ الخطط الامنية وتوقيف المتورطين والمرتكبين في الحوادث الماضية، فمن اين اتى هؤلاء الارهابيون اخيراً؟. وهل هناك من كان يعلم بأمرهم؟ ولماذا الاجهزة الغربية والاميركية هي من زود الاجهزة اللبنانية بالمعلومات وليس اجهزة عربية يفترض ان تكون حليفة وصديقة لشاغلي الوزارات الامنية الحساسة في البلد؟.
هذه الممارسة اذا كانت عن قصد من تيار المستقبل ورعاته الاقليميين فإنها تؤشر الى دخول لبنان مرحلة جديدة من الكباش عنوانها تعطيل كل المؤسسات.
وعلى الارجح يفترض القياديون في مجالس حزب الله و8 آذار انها لعبة مدروسة ومتقنة ومرسومة بدقة منذ بدء التحضيرات للتمديد لمجلس نواب الدوحة الذي سيطر عليه تيار المستقبل وحلفاؤه ويعتبرون انهم الاكثرية مع عودة النائبين وليد جنبلاط ونجيب ميقاتي ومن معهما الى لبس قفازات "النادي الوسطي" فمتى شاءا قلبا الطاولة. وهكذا كان، فتم التسويق للتمديد لمجلس النواب عاما ونصف العام وفي نية المستقبل والوسطيين المموهين ان يمددوا للرئيس ميشال سليمان الذي يرون فيه الحليف والصديق المرن والطيع، الا ان طحشته المتزايدة الجرعات ضد حزب الله افشلت الطموح بالتمديد له وخلطت الاوراق حتى انجلاء غبار المعارك الاقليمية.
بعد إفشال حزب الله والعماد ميشال عون مخطط التمديد لـ"مبتكر الوثيقة التاريخية" التي شكلت فتحاً في علم السياسة الحديث "اعلان بعبدا - الرياض"، وضع الرئيس سعد الحريري تقارب العماد عون معه في إطار شراء الوقت فتارة يرشح سمير جعجع ويبقي على ترشيحه لمنع ترشيح عون مباشرة ورغم دخولنا في الشغور ما زال مصراً على هذا الترشيح، وطوراً يلجأ الى لعبة تبادل الادوار والاجنحة داخل تيار المستقبل وداخل العائلة السعودية الحاكمة .
ورغم ان التقارب البرتقالي - الازرق انتج تفاهمات حكومية استقراراً امنياً وتعيينات بالجملة، الا انه هدف في كل الاحوال الى محاولة زعزعة تحالف حزب الله التيار الوطني الحر من جهة واستفحال الخلاف في وجهات النظر السياسية بين العماد عون والرئيس نبيه بري. فلا الاولى استطاع ان يحققها السفير علي عواض عسيري شخصياً ولا الحريري استطاع ان يحقق الاثنتين . في النهاية استنفدت اللعبة الزرقاء- الخضراء حظوظها فلم يعد بالامكان التسويف والمماطلة في إعطاء الحريري جوابه على ترشح عون التوافقي بالايجاب او بالسلب وفي الوقت نفسه استمرار الهجمات على العماد عون ليلاً نهاراً من حلفاء الحريري بالتعطيل وتطيير الاستحقاق. لهذا كله سحب عون امس، في طرحه القاضي بانتخاب الرئيس الماروني من الشعب على دورتين، البساط من تحت اقدام متهميه وحلفائه بالتعطيل من بكركي الى معراب وبيت الوسط الى الرياض وباريس وواشنطن. قالها عون واضحة: تريدون رئيساً مجرد كرسي خشبي في بعبدا فلن تحصلوا عليه هذه المرة فدعوا الشارع ينتخب رئيسه الماروني الاكثر تمثيلاً وانتم بالطبع لا تريدون رئيساً قوياً لذا لن تؤمنوا الاجماع على التعديل الدستوري الذي لا يمس بالطائف ولا بجوهره بل يعيد سيادة اللبنانيين على مؤسساتهم ويبعد كل الطباخين الدوليين عنه.
هرب عون بطرحه الى الامام ورمى كرة النار في ملعب الحريري وحلفائه الذين من اليوم وصاعداً سيبدأون بتغيير التكتيك غير الهجوم الكلامي عليه. فالمجلس النيابي بعد الرئاسة الاولى سيشغر والحكومة ستبقى القائمة الوحيدة وتلك قصة اخرى.
عن صدى البلد اللبنانية