ينكب الغزاويين هذه الأيام مثل بقية المسلمين علي شعائرهم الدينية رغم الألم والجراح ورغم فقدان الأحبة والممتلكات, ومنهم من سافر للحج تاركا خلفه قصص حزينة وجبال من الهموم وترك خلفه جبال من الشعارات من الشعارات التي ما زالت علي حالها مجرد شعارات, ولم يتغير شيء.
في غزة وعلي أرض الواقع تختلف الصور عن الشعائر والشعارات, بمجرد ما انتهت الحرب انشغلت المنظمات الدولية والمحلية لإغاثة الشعب المنكوب , فأصبح كيس الطحين سهل المنال, وأصبحت المعلبات تتدحرج بين بقايا البيوت المهدمة وانشغلت المتاجر الكبيرة والصغيرة بتوزيع الكوبونات.واشتغلت التكاتك والعربات التي تجرها البهائم في نقل الإغاثة وتوصيلها إلي مستحقيها, شعور حقيقي بأنك تعيش النكبة بكل جوانبها.
في الأسواق لدينا موز وعنب وتفاح ولكن ليس لدي أعداد كبيرة مرتبات أو سيولة نقدية بسبب البطالة المستشرية وبسبب الفقر الذي أصبح سمة من سمات المجتمع الغزي وهو أمر مؤلم. لدينا مانجو وليس لدينا أسمنت أو حديد وغزة ما زالت تعاني الأمرين من الحصار, وما مازالت الكثير والكثير من السلع لا تصل إليها وهي ممنوعة أو تكاد تكون محرمة.
في غزة لدينا بطالة مؤلمة جدا بين العمال الذين أتت علي أعمالهم اتفاقية أوسلو منذ البداية فحرموا من أعمالهم, وبين ما خلفته الحروب المتتالية التي شنها الجيش الإسرائيلي من دمار وخراب في البنية التحية وتدمير الصناعة والزراعة وإنهاء التجارة وقتل الحياة, وبين خريجين الجامعات الذين انسدت أمامهم الأفق , وبين وبين وبين.
في غزة وصلتنا الكثير الوعود والإشارات والمواساة ولكن ما زال أكثر من 110 آلاف شخص مشردين بين المدارس والحارات والحواري والمقابر وتحت أنقاض البيوت المهدمة وفي بقايا السيارات وفي المناطق المعزولة وفي العشوائيات وتحت الأشجار. وحتى أغلب المقيمين في المنازل التي لم تدمر فالفقر يحاصرهم ويدمرهم.
الشتاء قادم وقد غرقنا قبل الحرب في غزة وذقنا ويلات الفيضانات وألم الغرق وقلة الحيلة, والقادم أعظم .
لا يلوح حتى اللحظة شيء في الأفق , كل شيء علي حاله الحصار والمعابر والبطالة والفقر وشح الماء وقلته والمشردين والباطلين عن العمل, والآلام والدموع والخوف من القادم.
لا نريد مانجو وعنب وتفاح, نريد أسمنت وحديد وباطون , نريد أن نبني بيوت لمن تهدمت بيوتهم ونريد السفر واستقبال أحبائنا وعودة الغائبين إلي ذويهم ونريد أن نشعر أننا بشر وشعب, نريد أن نحلم ونحقق أحلامنا, نريد أن ترفعوا الحصار وأن تفتحوا المعابر وأن تدخلوا السلع ومستلزمات الحياة الآدمية. لا نريد أن نعيش علي الشعارات والكلمات الفضفاضة والوعود التي يراهن مطلقيها علي ضعف ذاكرة الشعب.
نريد أن نفتح شبابيكنا لنستقبل شمس الصباح في وطن نحبه.