إحدى وخمسون يوماً كانت كفيلة أن تسقط وتُهزم بها دول كبرى, وكانت كفيلة أن تخضع دول وقوى عظمى في المنطقة للقوى المضادة والمعتدية عليها, وأن تُجبر تلك الدول أن تخضع وتتنازل عن مطالبها تحت وطأة وحمى المعارك وفداحة وعظمة الخسائر في الحجر والشجر والبشر, وكانت تلك الأيام قادرة لشدة قسوتها وهمجية العدوان أن تُوّلد التذمر والإحباط في نفوس الشعب ضد قيادته وجيشه ومقاومته, وأن تتخلى عنه وتتركه وحيداً في الميدان, وكانت تلك الأيام قادرة وتحت شدة الضربات أن تؤثر على القدرة العسكرية للمقاومة, وكان بمقدورها وضمن تغول العدو في استهداف المدنيين أن يتحرك الشعب ويطالب قادته ومقاومته أن يوقف هذه الحرب, وكان بمقدورها وضمن سياسة العدو في استهداف قادة المقاومة واغتيالهم أن تؤثر على عزيمة ونفسية المقاومين, وكان بمقدور تلك الأيام وضمن سياسة الحرب النفسية التي يتخذها وينتهجها العدو في حربه العسكرية من خلال الرسائل التي تطالب بها الشعب والسكان بالإخلاء والنزوح عن أماكن سكناهم وبث الاشاعات والأكاذيب ضد قادة المقاومة وتطالبهم بأن يتخلوا عن المقاومة والقيادة, هذه الحرب النفسية كانت كفيلة أن تزرع في نفوس أبناء الشعب الانهزام والتراجع, وكانت تلك الأيام كفيلة أن ترغم الشعب في ظل معاناته وصعوبة وضنك الحياة جراء سياسة العقاب الجماعية التي انتهجها العدو ضده, كانت قادرة أن يخرج الشعب عن صمته في ظل مشاهد الدمار والتشريد التي حلت بالشعب في هذا العدوان, ويطالب قادته ومقاومته بأن يكفوا عن هذه الحرب, وكانت أيضاً قادرة على شق الصف الوطني الفلسطيني بعد أن تعززت روح الوحدة بين الشعب والقادة, لكن لم يكن للعدو ما يريد ولم يحقق أي هدف من أهدافه الذي حاول جاهداً أن يحققها في عدوانه على قطاع غزة.
لقد صمدت المقاومة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني, صمود أسطوري ضد أقوى جيش في المنطقة, وضد المآمرة التي حيكت ضد المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل بالاستقلال وإعلان الدولة الفلسطينية, وضد محاولات شق الوحدة الوطنية والقرار الوطني الفلسطيني, فلم تكن غزة هي الوحيدة المستهدفة بل كانت القضية الفلسطينية جمعاء, في محاولة بائسة ويائسة من قبل دولة الاحتلال في اخضاع قطاع غزة وبالتالي اخضاع باقي فلسطين, والقضاء على حلم الدولة الفلسطينية والاستقلال والحرية.
لقد برهنت غزة بشكل خاص للعالم بأسره أن لا شيء يقبل القسمة على اثنين في فلسطين, وأن هذه الأرض هي ملك خاص للشعب الفلسطيني, ومهما تجبر المعتدي والمتآمر فلن تخضع ولن تسقط غزة, ومهما مورس ضدها أبشع الجرائم فلن تنحني, فعدالة القضية ومشروعية وشرعية المطالب الفلسطينية, أثبتت للجميع أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.
وهنا يجب الإشارة للعديد من النقاط الأساسية التي نتجت فترة الحرب وتوضيح بعض الأمور, وهي كالتالي:
أولاً: لقد اتبعت المقاومة الوطنية الفلسطينية استراتيجية وتكتيك متقدم في تصديها لجيش الاحتلال, فمنذ اليوم الأول واللحظات الأولى واستمرار العدوان فرضت المقاومة منطق جديد للحرب, باقتحام النقاط العسكرية وعمليات انزال خلف خطوط العدو, والقتال من نقطة صفر, ومفاجئة العدو ومباغتته قبل أن يباغته العدو, وشل كافة خطط ومحاولات العدو التقدم في داخل المدن الفلسطينية في قطاع غزة, والتصدي بقوة وبسالة أمام أعتى الآليات العسكرية, وتدميرها وأسر وقتل من بها, هذه الاستراتيجية المتقدمة والجديدة أثبتت مدى الاعداد والكفاءة والقدرة والمنظومة التي باتت تمتلكها المقاومة الفلسطينية, سواء عسكرياً أو أمنياً أو استخباراتياً أو إعلامياً أو نفسياً. كما استطاعت المقاومة أن ترغم العدو أن يخضع لقراراتها بفرض حظر الطيران ومنع التجول والتجمع, واجبار سكان المستوطنات القريبة من قطاع غزة بالالتزام بالملاجئ والرحيل, كما تمكنت من أن تجعل كل المدن والبلدات في \"إسرائيل\" تحت مرمى الصواريخ, فاستطاعت المقاومة أن تدير المعركة وتحدد طبيعتها وتفرض قوتها واستراتيجيتها. كما تمكنت المقاومة الفلسطينية أن تجبر العدو على قبول شروطه مع استمرارية اطلاق الصواريخ.
ثانياً: لقد أرسلت المقاومة الفلسطينية رسالة للعالم كافة, أنها عصية على الانكسار والرضوخ مهما تعاظمت الخسار ومهما كانت قسوة الاعتداء والدمار, ومهما كان حجم التآمر والضغوط على المقاومة وعلى قطاع غزة وعلى الكل الفلسطيني, فالمقاومة بتكاتفها وتعاضدها ووحدتها أثبتت أنها في خندق واحد دفاعاً عن الوطن والأرض والمقدسات, كما أرغمت الجميع على إعادة الحسابات أمام صمود غزة وقوة مقاومتها, وفرضت معادلة جديدة في المنطقة مضمونها أن غزة لم ولن تكون يوماً ما نزهة لمن أراد أن يعتدي عليها.
ثالثاً: لقد فشلت كل الرهانات التي حاول البعض الرهان عليها بأن بالإمكان كسر شوكة وصمود المقاومة والشعب الفلسطيني, واخضاع المقاومة للحسابات والتوجهات التي تسير المنطقة في فلكها, فكان الالتفاف الشعبي والسياسي حول المقاومة, وحماية ظهر المقاومة وحماية المقاومة للجبهة الداخلية في قطاع غزة, دليل على فشل كل الرهانات, وأن المقاومة ليست مرهونة لأي منطق أو حساب أو توجه أو تحالف, فهي سيدة قرار نفسها وتراهن فقط على شعبها, وهي من تحدد طبيعة كل مرحلة من مراحل الصراع مع العدو.
رابعاً: لقد استطاعت المقاومة ومنذ اليوم الأول للحرب على قطاع غزة, أن تجسد ملامح الوحدة الوطنية الفلسطينية سياسياً وعسكرياً, بين كافة أطياف الشعب الفلسطيني, وبين شقي الوطن, فلم تترك غزة ومقاومتها بمفردها في الميدان أمام غطرسة العدو, بل انتفضت الضفة والقدس في وجه العدو, حماية ودفاعاً عن الوطن والقضية, والوقوف في وجه كل من يحاول المساس بالوحدة الوطنية الفلسطينية وفي المشروع والقرار الوطني الفلسطيني.
خامساً: لقد جسد الوفد الفلسطيني المفاوض الذي شكله الرئيس محمود عباس مدى الوحدة الوطنية الفلسطينية ومدى استقلالية القرار الفلسطيني, ومدى القوة الذي تحلى بها هذا الوفد في انتزاع حقوقه, وصموده أمام كل المحاولات التي مورست ضده من أجل التنازل والتقليل من سقف مطالبه, وهذا الثبات وهذه القوة ما كانا أن يكونا ويتعززا إلا بفضل قوة وصمود المقاومة والشعب الفلسطيني وعدالة قضيته, فلم يكن لقمة سائغة لأي طرف أو قوة, ولم يكن بمقدور أي جهة أن تؤثر على وحدة القرار ووحدة المطالب, في ضوء التنافس والتجاذب بين الدول الإقليمية في المنطقة, ومحاولة المجتمع الدولي تمرير مشروع لوقف اطلاق النار عبر مجلس الأمن, فاستطاع أن يرغم العدو والجميع على القبول بما يطالب به.
سادساً: لقد استطاعت المقاومة وطوال فترة الحرب أن تهز أركان \"إسرائيل\", سياسياً وعسكرياً واجتماعياً, فكانت الخلافات السياسية بين أعضاء حكومة دولة الاحتلال واضحة رؤي العين, فكان أبرز هذه الخلافات حول الاخفاقات السياسية التي لحقت بالحكومة, فتهاوت نسبة التأييد لهذه الحكومة يوماً بعد يوم, حيث أظهر استطلاع للرأي العام في \"إسرائيل\" نُشر مساء الأربعاء 27/8/2014، على أن شعبية رئيس حكومة \"إسرائيل\"، بنيامين نتنياهو، تراجعت بشكل كبير, فكانت نسبة التأييد في بداية الحرب تقارب الــ 82%, ولكن مع سياسة التخبط والفشل الذريع الذي لحق بأداء الحكومة والجيش, وصلت نسبة التأييد في نهاية الحرب إلى ما يقرب الـــ 33% وذلك حسب استطلاعات الرأي. أما عسكرياً فقد ألحقت المقاومة الفلسطينية خسائر فادحة في جيش الاحتلال, من خلال تدمير آلياته وقتل وأسر جنوده, وافشال كل محاولات التقدم تجاه الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة, فتمكنت المقاومة من كسر واسقاط مقولة الجيش الذي لا يقهر, وانهارت قوة الردع الاسرائيلية بشكل خطير, أمام القدرات العسكرية للمقاومة, بالرغم من الفارق في العُدة والعتاد, فمُني هذا الجيش بفشل ذريع على المستوى الاستخباراتي, وعلى مستوى قدرته على تقويض البُنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية, فلم يتمكن طوال إحدى وخمسون يوماً أن ينال من المقاومة بل استطاعت المقاومة أن تنال منه وتجبره على التراجع أمام الضربات الموجعة التي وجهتها المقاومة له, فلم يتمكن المستوى السياسي والعسكري في \"إسرائيل\" من تحقيق أي هدف من أهدافه, وبالتالي فشل وسقط أمام هذا الصمود الأسطوري. وقد خسرت حكومة \"إسرائيل\" في هذه الحرب ثقة شريحة عظمى من المجتمع \"الإسرائيلي\", لعدم قدرتها توفير الأمن والحماية لهم كما وعدتهم, ويكفي أن سكان المستوطنات المحيطة بقطاع غزة, أُرغمت على الرحيل بسبب استمرار اطلاق المقاومة للصواريخ, وبناءً على طلب المقاومة لهم بالرحيل, وعدم قدرة المنظومة العسكرية في الجيش \"الإسرائيلي\", ايقاف اطلاق الصواريخ, وهذا بمجمله سينعكس على المستقبل السياسي لبنيامين نتنياهو في حزبه, وعلى الائتلاف الحكومي.
لقد وضعت الحرب أوزراها بعد إحدى وخمسون يوماً, استطاعت خلالها المقاومة الفلسطينية فرض معادلة جديدة في المنطقة, كما استطاعت فرض معادلة جديدة ضمن معادلات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي, وفي معادلات القضية الفلسطينية, أن لا شرعية ولا قوة لأي مسار سياسي دون أن يكون بالتوازي والتوافق مع المسار العسكري, فالمقاومة هي من تقوي من ساعد وموقف المفاوض الفلسطيني, وهي من تحمي ظهره فترة التفاوض, وهي – المقاومة – بقوتها وصمودها وصمود المفاوض الفلسطيني, تُرغم العدو على قبول الشروط والمطالب الفلسطينية كافة دون انتقاص. هذا الأمر بطبيعة الحال وهذا الواقع الجديد وهذه المعادلة القوية, ستنعكس بكل تأكيد على المرحلة القادمة, وذلك عندما يتم طرح المبادرة التي أعدها الرئيس محمود عباس من أجل التوصل لحل شامل وعادل للقضية الفلسطينية, عندما تتوجه القيادة الفلسطينية إلى مجلس الأمن لتحديد موعد نهائي لانسحاب \"إسرائيل\" من الأراضي المحتلة عام 1967, وأيضاً عندما يتم الانضمام للعديد من المعاهدات والاتفاقات الدولية, وأبرزها التوقيع على ميثاق روما للانضمام لمحكمة الجنايات الدولية, لمحاكمة قادة الاحتلال الإسرائيلي, وأيضاً سيكون لهذه المعادلة أثرها في أي جولة مستقبلية من جولات المفاوضات.
لقد سطرت غزة بشعبها ومقامتها وصمودها أمام عِظم الخسائر والدمار, وأمام جبروت وغطرسة الاحتلال, وهمجية عدوانه وفظاعة جرائمه, وأمام كل ما حيك ضد غزة ومقاومتها من مآمرات في محاولة لإخضاعها, سطرت أروع البطولات والتضحيات سيكتبها التاريخ بمداد من ذهب في كُتبه , وأثبتت غزة للعالم أنها عصية على الانكسار وأنها أسطورة هذا العالم, فكان لغزة وشعبها ومقاومتها ما أرادت, فالحقوق لا تسقط بالتقادم.