الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

غزة: إعادة تدوير الخسارة....!

غزة: إعادة تدوير الخسارة....!

تاريخ النشر: 2026-04-04 | 10:28

خلاصة المأساة في غزة لا تُقاس بحجم الدمار ولا بعدد الأيام التي مرّت تحت النار، بل بمدى تغيّر معنى الأشياء. فالحروب الكبرى لا تبدأ حين تسقط القذائف، بل حين تفقد التفاصيل الصغيرة براءتها الأولى، هنا، في مدينةٍ تُختبر يومياً على حافة الوجود، يمكن لقدّاحة نار أن تصبح سؤالاً فلسفياً عن معنى البقاء نفسه.
ولاعة صغيرة، بالكاد تُرى، بلغ ثمنها ما يقارب عشرة دولارات. منذ الحرب، لم تعد النار أمراً بديهياً؛ صار إشعالها فعلاً يحتاج إلى حسابٍ اقتصادي، وصار الدفء امتيازاً، والطبخ قراراً مالياً، وحتى السيجارة لحظة تفاوض مع الفقر. اختفت الولّاعات من الأسواق كما تختفي الأشياء حين تقرر الحياة أن تتراجع خطوة أخرى إلى الخلف، تاركة الإنسان يواجه عريه الكامل أمام الاحتياج. ولاعة صغيرة، لم تعد مجرد أداة لإشعال نار، بل تحوّلت إلى كائنٍ نادر، إلى إمكانية حياة مؤجلة. في زمن الإبادة، يتراجع العالم إلى حدّه الأدنى؛ تختفي الكماليات أولاً، ثم الضروريات، ثم يكتشف الإنسان أنه يقاتل من أجل أشياء لم يكن يلاحظ وجودها أصلاً. النار، التي كانت امتداداً طبيعياً للحياة، أصبحت حدثاً استثنائياً يحتاج إلى تدبير، إلى حساب، إلى قلقٍ مسبق.
ذهب صديقٌ لإصلاح ولاعته المعطوبة. لم يكن يبحث عن رفاهية، بل عن استمرارٍ بسيط للحياة، جلس أمام مصلح الولّاعات، وهي مهنة وُلدت من رحم الخراب، لكنها وُلدت مثل نباتٍ غريب ينبت فوق أنقاض المدن. كما تولد الكائنات الغريبة في البيئات المنقرضة. 
 في الحروب تظهر دائماً مهن لا تنتمي للحياة الطبيعية: مصلحو العملات البالية، بائعو البدائل المؤقتة، خبراء إطالة عمر الأشياء التي كان يُفترض أن تموت بهدوء. كأن المجتمع كله دخل مرحلة صيانةٍ جماعية لما تبقى من القدرة على الاستمرار.
في الحروب، لا تُخلق المهن الجديدة لأنها مفيدة، بل لأنها دليل على أن الحياة فقدت شكلها الطبيعي، واضطرت إلى اختراع طرقٍ بدائية للبقاء. 
تأمل المصلح الولاعة طويلاً، ثم قال بهدوءٍ يكاد يكون وجودياً: لا يمكن إصلاحها… ابحث عن ولاعة أخرى لنفككها ونأخذ منها قطعة غيار.
في تلك اللحظة، ومع تلك الجملة القصيرة، انكشف المعنى كله، إذ لم يعد الحديث عن ولاعة. كان الأمر أقرب إلى فلسفة حياة كاملة: لكي يعيش شيء واحد، يجب أن يموت شيء آخر. هكذا تُدار الحياة في غزة؛ إعادة تدوير الخسارة، وترميم البقاء من بقايا بقاءٍ سابق. مجتمعٌ يُجبر على العيش عبر تفكيك ذاته، واستخراج قطع الغيار من أيامه الماضية ليواصل يوماً إضافياً فقط. فالبقاء لم يعد إنتاجاً، بل إعادة تركيب لما تبقّى من الأشياء المنهكة. المجتمع بأكمله يعيش منطق "القطعة البديلة"؛ نستعير القوة من الأمس لنصمد اليوم، ونستهلك ما تبقّى من أنفسنا لنصل إلى الغد.
الحرب لا تُفقِر الناس فقط، بل تعيد تعريف علاقتهم بالعالم. تصبح الأشياء أكثر ثقلاً من معناها، ويصير الإنسان غريباً داخل حياته الخاصة. تشعر بأنك تعيش في واقعٍ معطوب مادياً وأخلاقياً، حيث تتحول أبسط الأفعال إلى اختبارٍ قاسٍ لكرامتك: إشعال نار، شحن هاتف، الحصول على ماء، أو إصلاح ولاعة. كل تفصيل صغير يذكّرك بأنك لم تعد تملك السيطرة على شروط وجودك.
وهنا تبدأ المأساة الوجودية الحقيقية: أن تعيش في ضغطٍ دائم دون لحظة ذروة، في تعبٍ لا ينتهي لأنه بلا خاتمة. لا موت كامل يضع حداً للألم، ولا حياة كاملة تسمح بالشفاء. فقط منطقة رمادية طويلة، يعيش فيها الإنسان مؤجلاً بين الانطفاء والاستمرار، يشعر أنه يُستبعَد تدريجياً من العالم، كأن الحياة تحدث في مكانٍ آخر.
الولاعة، في جوهرها، لم تعد أداة نار؛ صارت استعارة للإنسان الغزّي نفسه. كائنٌ صغير، مثخن بالأعطال، يُعاد إصلاحه مراراً بقطعٍ مستعارة، يرفض أن ينطفئ رغم كل ما يدفعه نحو العدم. إننا لا نحاول إشعال النار بقدر ما نحاول إثبات أننا ما زلنا هنا، وأن الوجود — حتى في أكثر صوره هشاشة — يمكن أن يستمر بشرارةٍ واحدة.
يا لها من ولاعة…تكشف أن المأساة ليست فقط في الموت، بل في الحياة حين تُجبر على أن تعيش ناقصة، مكسورة، مؤقتة؛ حياةٌ تُدار كعملية صيانةٍ أبدية للروح، حيث يصبح البقاء نفسه فعلاً فلسفياً، ومقاومةً صامتة ضد الانطفاء.
 

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط