إصرار قطر وتركيا على تفتيت المنطقة لا يتوقف عند حدود، ولا يعرف اليأس طريقاً، قدر ما يتواصل بدأب شديد ويتلاقى مع جماعات سياسية تضع مصالحها التنظيمية والحزبية قبل مصالح شعوبها، كما تفعل جماعة الإخوان المسلمين المعروفة باسم «حماس» فى غزة.
«حماس» تدير مفاوضات سرية مع إسرائيل -لا ينفع فيها الإنكار- برعاية قطرية تركية، ومتابعة من تونى بلير، تسعى من خلالها إلى تحقيق ما يُطلق عليه التهدئة الدائمة بين الطرفين بتعهد عدم تعرض إسرائيل لأى مخاطر من غزة، مقابل رفع الحصار أو تخفيفه على القطاع بما يتيح لحكومة «حماس» إدارة شئون غزة بشكل مختلف ويضمن سيطرتها على الفلسطينيين بالقطاع.
اللافت أن «حماس» تدير مفاوضاتها مع إسرائيل وبرعاية تركيا وقطر رغم تحذيرات أطلقتها السلطة الفلسطينية الشرعية من مخاطر استمرار هذا التحرك ومطالبتها لجماعة «حماس» بالتوقف عن الاتصال والتواصل مع تونى بلير، غير أن تلاقى المصالح بين الأطراف المختلفة دفعها جميعاً لتجاهل قرار السلطة صاحبة الحق الشرعى والوحيد فى التفاوض مع الأطراف المختلفة.
والحاصل أن «حماس» تسعى إلى تخفيف الحصار عليها وتقبل بالتفاوض السرى مع إسرائيل على ترسيخ تقسيم القضية الفلسطينية وتشتيت التعامل فى شأنها بين سلطتين فى منطقتين مختلفتين، فترسخ أيضاً فى أرض الواقع فكرة دولة فلسطينية مقسمة الامتداد الجغرافى غير قابلة للتوحد، وهو ما يعنى عملياً استمرار الوضع الحالى، وإضعاف ممكنات الحديث عن الدولة الفلسطينية الموحدة وعاصمتها القدس الشرقية على أراضى ما قبل عدوان 1967.. وهو ما يعنى أيضاً ترسيخ الحل الإسرائيلى التاريخى القاضى بأنه لا حل ولا دولة فلسطينية، وأن ما جرى فى أوسلو ممكن أن يمثل نهاية المطاف.
الشاهد أن ما يجرى فى الخفاء بين «حماس» وإسرائيل وبرعاية من تركيا وقطر يمثل جزءاً من المحاولات الدولية لإعادة تقسيم المنطقة من جديد، والتى سعت فى مرحلة ما لفرض حكم الإخوان، ولما فشلت تواصلت عبر فرض مشاركتها الحكم مع الدول المدنية، وإلا فالبديل هو تفجير النزاعات المسلحة وإعمال العنف والإرهاب، وذلك كله فى سياق تفتيت المنطقة إلى دويلات تخضع لحكم الطوائف والمذاهب المتصارعة.
مخاطر تداعيات ما تقوم به تركيا وقطر يتجاوز المخاطر المؤكدة على القضية الفلسطينية إلى تأثيرات سلبية على مصر، خصوصاً أن إسرائيل تسعى منذ فترة طويلة للتخلى عن مسئوليتها تجاه قطاع غزة باعتبارها سلطة احتلال ومسئولة عن أوضاع السكان الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وإلقاء هذا العبء على الدولة المصرية، بما يتيح إمكانات أوسع لخلق مصاعب ومشكلات سياسية وأمنية لمصر فى حماية حدودها، ويتيح تحميلها المسئولية عن مشكلات سكان غزة إذا ما تحركت الدولة المصرية لحماية حدودها.
المؤكد أن الدور المصرى لحماية الحقوق الفلسطينية لا ينكره إلا جاحد أو جاهل بحقائق التاريخ، وهى فعلت ذلك حماية لأمنها القومى والتزاماً بدورها القومى التاريخى، غير أن ما تفعله جماعة «حماس» بدعم تركى قطرى يفتح الباب للتساؤل عن الرغبة فى تدمير القضية الفلسطينية من أجل مصلحة حزبية لجماعة الإخوان، فضلاً عن خلق بيئة أو مناخ لصدام تسعى مصر جاهدة لتجنبه مع جماعة الإخوان المعروفة باسم «حماس».. وليظل الشعب الفلسطينى بغزة ضحية لمصالح حزبية وتنظيمية ضيقة.
عن الوطن المصرية