تاريخ النشر: 2024-08-22 | 13:02
تاريخ النشر: 2024-08-22 | 13:02
على مدار 320 يومًا من القصف المتواصل والدمار المستمر في غزة، تتحول الحرب إلى رحلة طويلة من الصمود، يسطر فيها الشعب الفلسطيني ملحمة من المقاومة والبقاء. إلا أن هذا الصمود، الذي كان في البداية مشعل الأمل والكرامة، بات الآن محاصراً بتحديات جديدة تضع أمامه أسئلة مصيرية حول المستقبل.
في الأيام الأولى للحرب، كانت غزة تمتلك أوراق قوة تمكنها من التأثير في المعادلة السياسية والعسكرية، حيث كانت المقاومة تفرض نفسها لاعبًا أساسيًا في أي محادثات أو ترتيبات مستقبلية. كانت أوراق القوة تلك متعددة، بدءًا من وحدة الصف الداخلي، مرورًا بالقدرة على الصمود في وجه الاعتداءات المتكررة، وصولاً إلى الدعم الشعبي والدولي الذي كان يعزز الموقف الفلسطيني.
لكن مع كل يوم يمر، وفي ظل استمرار آلة الحرب الإسرائيلية في استهداف المدنيين والبنية التحتية، ومع سقوط عشرات الشهداء يوميًا، بدأت هذه الأوراق تتساقط واحدة تلو الأخرى. كان لهذا التآكل تأثير كبير على قدرة المقاومة على الضغط على حكومة نتنياهو، التي، مع مرور الوقت، أصبحت أقل اكتراثًا بالنداءات الدولية أو بالمطالب الفلسطينية، متبنية نهجًا أكثر عنفًا وتصعيدًا.
هذا التغير في موازين القوى لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لاستراتيجية إسرائيلية مدروسة تهدف إلى استنزاف القوة الفلسطينية وإفقاد المقاومة لأوراقها تدريجيًا. ومع كل ورقة تضيع، كانت مساحة المناورة الفلسطينية تتقلص، ليصبح الاستسلام، الذي كان في مرحلة ما خيارًا ممكناً مع ترتيبات معينة، أشبه بقرار عدمي لا معنى له.
اليوم، وبعد 320 يومًا من الحرب، نجد أنفسنا أمام واقع جديد: فقدنا العديد من أوراق القوة التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من قدرة المقاومة على الصمود والتأثير. الوحدة الداخلية تعرضت لضغوط كبيرة، الدعم الدولي بدأ يتآكل بفعل الضغوط السياسية، وحتى القدرة على الاستمرار في المقاومة المسلحة تراجعت بفعل الدمار الهائل وفقدان العديد من القيادات والمقاتلين.
العدو الذي كان في البداية يقيم وزناً للاستسلام كخيار لوقف القتال بشروطه، بات الآن أقل رغبة في التفاوض، لأنه يدرك أن استمراره في الحرب يحقق له هدفًا أكبر: تحويل غزة إلى عبرة للآخرين، وتدمير كل إمكانيات المقاومة المستقبلية. هذا التوجه ناتج عن سوء تقدير للواقع، حيث كانت هناك فرص لوقف الحرب بشروط أقل خسارة، لكن التأخير في اتخاذ القرار الصحيح أدى إلى تضييق الخيارات وجعل من الاستسلام خيارًا عبثيًا بلا طائل.
في النهاية، تجد غزة نفسها اليوم أمام تحدٍ أكبر مما كان في البداية. مع كل يوم يمر، تصبح الحرب أكثر تعقيدًا واستمرارها يعني مزيدًا من الخسائر البشرية والمادية، ومزيدًا من التآكل في أوراق القوة. وفي ظل هذه الظروف، يبقى السؤال معلقًا: ما هي الخطوة التالية؟ وكيف يمكن للفلسطينيين أن يعيدوا ترتيب أوراقهم في مواجهة عدو لا يعرف الرحمة ولا يتوانى عن تحويل غزة إلى رمز للعقاب الجماعي؟