تاريخ النشر: 2025-05-05 | 09:07
تاريخ النشر: 2025-05-05 | 09:07
ليست كل النجاة خلاصًا. فالذين خرجوا من غزة، بأجسادهم فقط، ما زالوا عالقين هناك بأرواحهم وقلوبهم. لا يُمكن للذاكرة أن تمحو مشهد أم تنتحب على ابنها، أو طفل يرتجف جوعًا تحت الركام، أو مريض ينازع على باب مستشفى بلا دواء. من ظنّ أن الخروج من قطاع النار نهاية المعاناة، لم يدرك بعد أن الغياب القسري عن الوطن هو شكل آخر من أشكال الإبادة.
في عواصم بعيدة، ومدن بدت آمنة، يجلس النازحون أمام الشاشات لا يغفلون لحظة عن أخبار غزة. يتنفسون عبر نبضها، ويأكلون بألمها، وينامون على قلقها. يصرخون في صمت، ويشعرون بالذنب لأنهم على قيد الحياة بينما أحباؤهم هناك يتقاسمون الموت، لقمة بلقمة، ونبضة بنبضة.
لا أحد منهم استطاع "التخطي"، ولا أحد تمكن من الاندماج في صخب العالم الوقح الذي بات يستقبل صباحاته بأخبار المجازر وينهي لياليه بلا اكتراث. فما زال صدى القنابل يهزّ جدران الذاكرة، وما زالت صور الدمار تنخر القلب. كل الأيام صارت متشابهة؛ ملبدة بالحزن، مرهقة بالخوف، ثقيلة كأنها لا تنتهي.
العجز أصبح شبحًا يوميًا يلاحقهم. عجز عن إنقاذ، عن حماية، عن حتى الوصول بصوتهم لأعماق الضمائر التي يبدو أنها صمتت إلى الأبد. السؤال يكرر نفسه كل صباح: أين العالم؟ أما هزّته صرخات الأمهات؟ أما كسرت بروده دماء الرضّع؟ أما حركت الصمت العربي صرخة شعب يُباد علنًا؟
غزة، يا وجعنا الذي لا يغيب، متى تعودين؟ متى تعود إليك أرواحنا التي ضاعت في المنافي؟ متى نراك كما كنا نحلم… بلا دم، بلا حصار، بلا فَقْد؟ متى تعود الحياة فيك… كما كانت، كما يجب أن تكون؟