غزة قدرها اليوم أنها تتحمل مسؤولية رسم أفق مستقبل قضية الأمة بأكملها . وقدرُ غزة وهي التي لا تبخل أو تتخلف ، أو تشكو ألمها وحزنها . أنها تواجه ببسالة منقطعة النظير آلة العدوان الهمجي الصهيوني ، وتواجه ظلم ذوي القربى وحالة التخلي عنها والتنكر لها كعنوان للنضال والكفاح الفلسطيني ، تخلٍ تجاوز حدوده نحو الشراكة في منح الإجازة للكيان وآلة إرهابه ، في الإيغال عميقاً في الدماء الفلسطينية . غزة اليوم وما تتعرض له ، يأتي في سياق استكمال مشروع الإخضاع الذي تمارسه الإدارة الأمريكية وحلفائها وأدواتها في عموم المنطقة . وكل كلام آخر خارج لهذا الفهم والتوصيف ، لا معنى ولا قيمة له على الإطلاق ومجرد تزويق بالمساحيق لتسويق وترويج منظمة يقوم بها الكيان وطابوره الخامس ، وجوقة أدواته الوظيفية المشبوهة ، من إعلاميين وكتاب وصحفيين ومثقفين ووسائل إعلامية صفراء ، في تحميل المقاومة مسؤولية ما يتعرض له القطاع وأهله ، يصب في خانة خلق الذرائع والمبررات لنتنياهو ، وتشكيل مظلة حماية وشبكة أمان لهذا الكيان وقياداته ومساءلتهم على جرائمهم ومجازرهم بحق الآلاف من الشهداء والجرحى واليتامى والأرامل والمشردين من أهلنا في غزة . و\" تركي الفيصل وتوفيق عكاشة نموذجاً \".
وعلى وقع العدوان الذي دخل أسبوعه الرابع من الفشل الذريع ، الذي مُني به نتنياهو وقادته في كل منظوماتهم الأخلاقية والإعلامية والإستخباريه والعسكرية . تسعى الدول الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني ، وعلى الرغم من الصراع المحتدم فيما بينها ، ليس حول الأولويات والمصالح الوطنية أو القومية لأمتنا العربية والإسلامية . تعمل هذه الدول المتورطة أساساً فيما تعانيه المنطقة ودولها من أحداث وحروب منذ أربع سنوات من خلال التحريض على الاقتتال ، وتصدير الإرهاب بأدواته ومسمياته المختلفة ، وضخ السلاح والأموال . هذه الدول ذاتها تعمل جاهدة على منح نتنياهو وعدوانه انتصارات ونجاحات في السياسة . وهذا ما تؤكده الوقائع وما تسربه وسائل الإعلام المختلفة ، بالإضافة إلى العديد من الكتاب والصحفيين والإعلاميين ، الذين يؤكدون أن سياق العدوان ، واندفاع نتنياهو وحكومته إلى تنفيذ هذا العدوان لم يكن ليحصل لولا الاطمئنان الغير مسبوق لدى الكيان وقياداته من ردود الأفعال لما ارتكبه من مجازر على مدار الساعة بحق الأمينين في غزة من أطفال ونساء ومسنين . وتصريح شمعون بيريز أمام مستشفى \" سوروكا \" في بئر السبع والذي قال فيه : \" هي الحرب الأولى التي تشنها إسرائيل وغالبية العرب معها \" . وبدوره شاؤول موفاز كان قد وجه دعوة لأن \" تضطلع السعودية والإمارات بدور من أجل نزع سلاح المقاومة \" . وأضاف موفاز إلى أن بإمكان السعودية والإمارات ، أن تلعبا دوراً هاماً في توفير التمويلات اللازمة لتنفيذ هذه الخطة \" . وهذا ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في منتصف تموز الجاري ، من أنباء تفيد \" عن نيّة إسرائيل طرح اقتراح في مجلس الأمن يقضي بتقديم 50 مليار دولار لإعمار غزة ، مقابل التهدئة ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية . ونقلت الصحيفة عن تلك مصادر حكومية قولها : \" إن إسرائيل تريد الحصول على ضمانات دولية ، كتلك التي تمّ الاتفاق عليها في ملف نزع الأسلحة الكيميائية السورية \" .
وعلى مشهدية العدوان على غزة طفا على السطح الإقليمي صراع المحورين المتصادمين ، حيث السعودية ومصر والإمارات في جانب ، وقطر وتركيا في جانب ، وكلا الجانبين عند الإدارة الأمريكية ، التي أوعزت لكليهما المسارعة في البحث عن مخرج للمأزق الذي أوقع نتنياهو نفسه فيه نتيجة العملية العسكرية التي شنها على قطاع غزة . وعلى الرغم من حالة الولاء التي تبديها هذه الدول للولايات المتحدة ، ولكن كلا المحورين أرادا توظيف ما يتعرض له قطاع غزة من عدوان بربري ومجازر مفتوحة ، في مواجهة بعضهما البعض على حساب الدماء الفلسطينية على خلفية ما وقع في مصر من إسقاط نظام الرئيس محمد مرسي ، بمعنى إسقاط نظام الإخوان المسلمين . والمبادرة المصرية التي رفضتها المقاومة أتت في سياق قطع الطريق على المحور التركي القطري ، وبالتالي تحديد سقف لأية تفاهمات سياسية تفضي إلى وقف العدوان والدخول في تهدئة مستدامة بمباركة أمريكية وكذا فعلت السلطة الفلسطينية . وللأسف المؤكد أن \" الإسرائيليين \" ليسوا بعيدين عن وضع لمساتهم على هذه المبادرة التي سارع نتنياهو إلى الموافقة عليها . وهذا في دلالاته أن نتنياهو يأخذ جانب المحور السعودي المصري في عملية كسب أساسها العرض والطلب . وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن المحور التركي القطري يأخذ في حسبانه شروط المقاومة ويتبناها . حيث كشفت الإذاعة العبرية النقاب عن وصول مبعوث تركي خاص إلى \" إسرائيل \" كمبعوث لرئيس الوزراء التركي \" رجب طيب أردوغان \" وذلك للسير قدماً في مفاوضات وقف إطلاق النار في قطاع غزة . والاتصالات القطرية \" الإسرائيلية \" نشطة في هذا السياق . وعلى العكس هذين المحورين باستثناء مصر ، يتقاطعان عند مشتركات ترجماتها العملية تتجلى فيما تتعرض له الدولة السورية من محاولات بهدف إسقاطها كنقطة ارتكاز إستراتيجية في محور الممانعة والمقاومة الممتد من إيران إلى فلسطين مروراً بسوريا ولبنان . وبالتالي المحاولات البائسة لدول هذين المحورين في حرمان دول وقوى المقاومة والممانعة من لعب دور مؤثر في مجريات ما يتم ترتيبه من خطوات وترتيبات سياسية كمحصلة لانتهاء الحرب والعدوان على المقاومة وأهلها في قطاع غزة . ولقطع الطريق على هذه المحاولات ومنع الاستفراد بالمقاومة الفلسطينية ، جاءت كلمة السيد نصر الله وما حملتها من رسائل للقريب والبعيد أن الحزب يراقب عن كثب وقرب تطورات العدوان . وبالتالي تصريحات الإمام الخامنئي الداعية إلى ردع العدوان وتسليح الشعب الفلسطيني ، الحركة الدبلوماسية الإيرانية النشطة في أكثر من اتجاه . وليس بعيد عن هذا السياق جاءت كلمة أمين الجهاد الدكتور رمضان شلح ، وقائد كتائب القسام المجاهد محمد الضيف اللتان أكدتا أن المقاومة لن تخذل أهلها وشعبها وتضحياتهم في التمسك بشروط المقاومة ، والقول للعدو أن المقاومة قادرة على مواصلة القتال الذي سينتهي لصالح المقاومة والشعب الفلسطيني . ولعل التصريحات التي أدلى بها اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني والتي اعتبرها المراقبون بمثابة التحذير من محاولات إسقاط المقاومة الفلسطينية عبر المطالبة بسحب سلاحها . وتصريحات اللواء سليماني يذكرنا بتصريحاته عشية ما كانت تعده الولايات المتحدة وحلفائها من شن عدوان واسع على سورية . حين قال أن كل جندي أمريكي أو أجنبي يدخل سورية سيعود إلى بلده في تابوت .
إن الأيام أو الساعات القادمة حاسمة إن في الميدان الذي يميل لصالح المقاومة رغم قوة النيران وآلاف الغارات الجوية والقصف المدفعي البري والبحري المتواصل ، والمجازر المتواصلة حيث بورصة هذه المجازر تسجل المزيد من الشهداء والجرحى على مدار الساعة . كما هي حاسمة فيما يدبر للمقاومة من أفخاخ وأشراك سياسية تهدف إلى إسقاطها ، وهناك من يطالب 1701 في شقه الفلسطيني . ولكن وعلى الدوام سيبقى الرهان على المقاومة في الميدان ، وهي حسمت أمرها في التصدي للعدوان ومواصلة القتال حتى تحقيق النصر الذي سيبنى على نتائجه الكثير في المشهد الإقليمي