تاريخ النشر: 2017-04-10 | 20:16
تاريخ النشر: 2017-04-10 | 20:16
عندما اضطر ياسر عرفات لتوقيع اتفاق أوسلو بعد أن ضاقت به السبل وتآمر عليه الجميع ، كان اختياره العودة إلى غزة ، أذكر ذلك اليوم جيدا ، وقفنا في ساحة الجندي المجهول ، تسلق العشرات كل شجرة في المكان وكل بناية ، كانت الساحة المقابلة لما يسمى الآن المجلس التشريعي تعج بالبشر ، لم يكن هنالك من يقول أنا فتح أو حماس ، كان الشعب الفلسطيني حاضرا ينتظر الرمز الأسطوري الذي كان أهل غزة يرونه عبر الشاشات يهدر ثائرا يعتمر الكوفية ، كان أشبه بيوم الحشر لكنك ترى اللهفة تعتلي الوجوه ، ظهر الرمز على شرفة مبنى المجلس التشريعي ، ولوّح بيده للناس وكأنه يقرأ رقية الوطن عليهم ، بدأ يلقي كلمة لشعبه ، وأشك أن أحدا سمع شيئا أو انتبه لكلمة مما قيل ، كانت العقول والقلوب كلها تفكر هل هذه حقيقة أن ياسر عرفات بيننا تفصلنا عنه أمتار معدودة ! .
كان عرفات يدرك جيدا أن غزة هي اللبنة الأولى ، هي حجر الأساس للدولة الفلسطينية التي قاتل من أجلها ، ولذلك جعل تركيزه كاملا على غزة ، المؤسسات ، الوزارات ، محل إقامته الدائمة ، كانت غزة بالنسبة لعرفات أولى خطوات الحلم ،و لم يكن ذلك استخفافا بالضفة الغربية ولا بأي جزء من أرض الوطن لكنه كان قراءة للواقع واستبصارا للمستقبل ، كان يؤمن أن غزة هي نواة الدولة ولم يكن يردد شعارات تمييزية مطلقا ،بل كان يجعل الارتباط بين غزة والضفة ارتباطا وثيقا عميقا لا تشوبه الشوائب ولا الضغائن ، مسؤولون برتب سامية يتولون أجهزة أمنية كبيرة كانوا من الضفة ويقيمون في غزة ، وضباط وأفراد من غزة كانوا على رأس عملهم في الضفة الغربية ، وما أن رحل عرفات حتى اختل التوازن فجأة وكأن العمود المركزي الذي تستند إليه المعادلة الفلسطينية مرتبط بالرمز ، وهذه هي الحقيقة ، رحيل عرفات كان ضربة قاصمة لوحدة الصف الفلسطيني ، وسرعان ما ظهر ذلك على السطح ، خلافات بين كبار قادة فتح وإطلاق الرصاص على أبي مازن في منتدى الرئاسة ، مما جعل غزة بالنسبة لخليفة عرفات مكانا لا يشعر فيه بالارتياح ولا بالمودة تجاهه ، وتدريجيا تعاظمت قوة حماس العسكرية وتقزمت قوة السلطة في غزة وتفككت ، برزت على السطح كل الخلافات القذرة بين قادة الأجهزة الأمنية وصراعهم على المكانة الأسمى في القيادة ، لكن من الواضح أن لأبي مازن كانت وجهة نظر أخرى ، ترك غزة لحماس دون أن يلوث يديه بالتخلص من أي خصوم ، وقعت حماس بالفعل في الفخ وقامت بالخدمة الجليلة ونظفت الميدان تماما ،واستولت على غزة ، وهكذا أصبحت غزة مجرد ضرير يمسك عصاه ويضرب في كل الاتجاهات متوجسا من الجميع ، كل حركة في محيطه عبارة عن خصم محتمل يجب الهجوم عليه ، وبالنسبة للسلطة كان ذلك الضرير مزعجا لكنها ملزمة بتوفير احتياجاته مرغمة ، لكنها بشكل أو بآخر تريد خطف عصاه حتى لا تشكل أي خطورة مستقبلا ، وحتى تفرض عليه ما تريد هي أن تمنحه من هبات دون أن يملك أي ردة فعل تذكر ، وما بين كر وفر يبدو المشهد أكثر سوداوية ، الضرير ما زال متشبثا بعصاه ويلوّح بها حائرا ، هل يرمي عصاه ليسد احتياجاته ، وتفرض عليه كل الأمور التي يرفضها وربما يضرب بعصاه ، وهل يثق بمن يزعمون مد يوم العون بعيدا عن التلويح بمصادرة العصا .
ورغم كل شيء ، ورغم التخبط ورغم سوء الأحوال والظلام والقهر ، إلا أن غزة التي آمن عرفات بها وآمن أنها نواة الدولة ما زالت في مكانتها ، لا يمكن تحييدها أو تجاهلها ، ولا يمكن أن تقوم دولة فلسطينية مستقلة عن الاحتلال لا تكون غزة على رأسها ومنفذها الأساسي للعالم سياسيا واقتصاديا وجغرافيا أيضا ، غزة هي التي كانت اللبنة الأولى والأساس ومن يتخلى عن أساسه لا يقوم له بناء أبدا ، وعلى القيادة الفلسطينية أن تستوعب ذلك وتتعامل وفق هذه المعطيات ، أما التهميش والعقاب والتلويح بالظلام والتجويع والحصار ، فإن ذلك لن ينهي حكم حماس المستعصي ، وإنما سينهي ارتباط الناس تماما بالقيادة وسيجعل الجمهور الفلسطيني في غزة يكفر بالجميع ، فمن اصطلى بنار الحصار والحروب تحت حكم حماس ، ليس جاهزا مطلقا لتحمل عقوبات وتشديدات وخنق ممن كانوا سببا في هذا الوضع الاستثنائي ، ولا يمكن لقيادة توجه أبناءها وفق تعليمات معينة ثم تحاسبهم وتنفذ عقوباتها عليهم كجزاء لتنفيذ التعليمات .
لا يمكن لأحد أن يتجاهل أن السلطة الفلسطينية بنيت على أكتاف غزة ، غزة هي البدء وهي الخاتمة ، ولا أظنها ستسقط العصا من يدها بل ستؤذي الجميع إن تم تجويعها وخنقها .