إذا نظرنا إلى الوضع الفلسطيني عمومًا في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧م ، في سياق المقارنة بين ما قبل السلطة الفلسطينية وما بعدها، أو ما قبل اتفاقيات أوسلو وما بعدها ، أو ما قبل الاحتلال الصهيوني المباشر وما بعده (غير المباشر)؛ فإن الفرق شاسع بين وضعين متناقضين ؛ فكان وضعنا الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني المباشر أكثر مقاومة للاحتلال، وأكثر وطنية ، وأكثر تلاحمًا ووحدة ورخاء وديمقراطية وكرامة وإنسانية وتفاؤلاً وجرأة ومحبة وإنتاجًا وصمودًا وارتباطًا بالتراب والحجر والشجر والجيرة...، وأقل فسادًا وعمالة وانتهازية وأنانية وسفسطة...إلخ!!
ثم صار وضعنا، بعد أوسلو وتشكل السلطة الفلسطينية وتحول الاحتلال الصهيوني المباشر إلى غير مباشر، في أسوأ أحواله: الاعتراف بالكيان الصهيوني، والتنازل عن أكثر من ٨٣% من فلسطين التاريخية، وتفشي سرطان الاستيطان ورعاع المستوطنين، وبناء الجدار العنصري العازل ، وتفشي الفقر والمرض والجهل والعمالة، وتفشي الإجرام الصهيوني قتلاً وجرحًا وأسرًا وتدميرًا وقصفًا من الجو والأرض والبحر، وتفشي الطرق الالتفاتية والكينتونات المناطقية الفلسطينية والمحاسيم والحصار والإذال وتحريم الدخول إلى القدس... واستشراء الفوضى والفلتان والتشرذم والزعرنة والفساد وكل ما من شأنه أن يذل الفلسطيني في وطنه المحتل!!
كان ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تحل نفسها قبل عام ٢٠٠٠م؛ لتعود الحالة الفلسطينية إلى ما كانت عليه قبل إوسلو؛ إذ إن سبع سنوات عجاف كافية لإثبات أن الكيان الصهيوني لم ولن يسمح بإقامة أية دولة فلسطينية شكلية في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧، وأن الهدف الرئيس من اتفاقيات أوسلو بالنسبة إلى هذا الاحتلال المجرم هو أن يحصل على رخصة دولية لممارسة إجرامه النازي بحق شعبنا وأرضنا وتاريخنا ووجودنا؛ لذلك كان وجود السلطة الفلسطينية خلال أربعة عشر عامًا مرت من الألفية الثالثة هو الرخصة الدولية التي أتاحت للكيان الصهيوني أن يقتل آلاف الفلسطينيين، ويجرح عشرات الألاف، ويعتقل عشرات الآلاف أيضًا، ويدمر مئات آلاف البيوت والمزارع... ويمارس ما لم تمارسه النازية وغيرها...
كان لا بد من أن تحل السلطة الفلسطينية نفسها، وتسلم للاحتلال مفاتيح حراستها للفلسطينيين في سجون المدن والقرى الفلسطينية المحاصرة ، وتعلن أن للفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني ربًا يحميهم ويحرسهم !! ثم يتولى الناس مقاومتهم على مدار الساعة للاحتلال الصهيوني بكل الوسائل المتاحة ما قبل أوسلو وتبعاته التي شرذمت الوضع الفلسطيني وأجهضته، في ظل واقع عربي مستلب ومتشرذم، وتبني أمريكي بالكامل للكيان الصهيوني الاستيطاني في فلسطين.
إن تلميح السلطة الفلسطينية مؤخرًا بحل نفسها هو قرار - إن اتخذ ونفذ- صائب مئة بالمئة رغم كونه قد تأخر كثيرًا، وهذا يعني أن يتحميل الكيان الصهيوني عبء حماية الفلسطينيين تحت الاحتلال المباشر، بعد إنهاء خزعبلات ذلك الانسحاب الإسرائيلي من غزة ؛ لتدميرها في حروب صهيونية متتالية ، وقبل ذلك شن تلك الحرب المجرمة على الفلسطينيين في الضفة وغزة في انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠م...
فإذن نعم لحل السلطة الفلسطينية في غزة والضفة ؛ليعود الاحتلال الصهيوني مباشرًا، وتعود المقاومة الوطنية الفلسطينية مباشرة، كما كانت في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي بدأت عام ١٩٨٧م.