\"هناك شيء واحد أسوأ من القتال مع الحلفاء, وهو القتال بدونهم \"
وينستون تشرشل
تثبت لنا غزة من جديد أن السياسة في الشرق الأوسط تدار من خلال صياغة تحالفات تحكمها ديناميكية عمل وخطط إستراتيجية يجري تكييفها وفقاً للمتغيرات الآنية بحيث لا تنحرف عن مسارها , وتلك التحالفات ما هي إلا نتاج الصراع العالمي حول الهيمنة والتي ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تسبق بخطوات كل من يحاول منافستها في هذا المضمار, آخذين بعين الاعتبار صعود الشرق المتمثل في روسيا والصين وهو لا يعدو كونه محاباة لسياسة الغرب إلي حد ما .
تدرك الولايات المتحدة قيمة ما قاله نابليون قبل قرنين من الزمن \" أعطني حلفاء لأحارب ضدهم \" بحيث دأبت علي تشكيل تحالفات تشبه في تكوينها ألعاب الفيديو , تحالفات متقاربة وأخري متحاربة ومزيج ما بين هذه وتلك وجميعها يصب بنهاية المطاف في بحر السياسة الأمريكية العالمية .
خلق الشرق الأوسط بخصوبة تربته نظراً لتعدد العرقيات والطوائف وغياب العقل السياسي الجمعي العربي بالإضافة لما يكتنزه من ثروات رغبة عارمة لدي الولايات المتحدة في ضرورة السيطرة عليه من خلال تحالفات تعمل علي إغراق المنطقة في صراعات بينية وداخلية تحصد طاقاته وتنتج لنا محاور وتحالفات جديدة تزدهر معها الشركات كما تزدهر السياسة .
وبالعودة لمجريات الحرب علي غزة والتي يري البعض أنها عقاباً لإسرائيل لمماطلتها في عملية السلام , فهي تأتي أيضاً تعزيزاً لمكانتها في تحالف إقليمي ربما تقوده لاحقاً, وهو ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي مع بداية الحرب لتبدو خلايا الصورة عند تجميعها أكثر وضوحاً ودلالةً علي ملامح تلك التحالفات, بدءاً بالمبادرة المصرية التي تبناها محور مصر ,السعودية, الإمارات وموقف منسجم من السلطة الفلسطينية ولاقت قبولاً أمريكياً رغم تحفظ أمريكا علي قيام مصر بالإعلان عنها قبيل وصول كيري للقاهرة وهو تحفظ واضح علي استقلالية القرار المصري.
في الطرف الآخر من المعادلة حاول المحور المناوئ لمصر والذي يضم قطر,تركيا والإخوان المسلمين إفشال المبادرة المصرية والتشويش عليها من خلال طرح مبادرة تخرج عن دائرة المعقول كونها لم تأتي بجديد ولاقت ترحيباً ودعماً أمريكياً حذا بالرئيس المصري رفض حضور القمة الأمريكية الأفريقية الداعمة للمبادرة التركية القطرية . ثم بعد ذلك وبحكم الجغرافيا والرابط التاريخي تعود مصر لثبت أنها الأجدر بإدارة الملف وكان لإدخال تعديلات علي المبادرة وتشكيل وفد فلسطيني موحد للتفاوض حول التهدئة مساهمة حقيقية في إنجاح هذا الدور, وبين شد وجذب بقيت غزة تدفع ثمن صراع المحاور ـــــ كما تدفعه العراق وسوريا وليبيا ـــــ والذي لم يتوقف عند هذا الحد وامتد بإعلان الولايات المتحدة لمؤتمر فرنسا نهاية تموز المنصرم لتتسع دائرة الشركاء والخصوم وتنتعش حركة السياسة العالمية , مؤتمر فرنسا دُعيت إليه دول أوروبية بالإضافة لتركيا وقطر ورفضته كل من مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية حفاظاً علي ريادة الدور المصري لتأخذ الدبلوماسية وقتها وتمر الساعات علي غزة ببطء شديد يقتل كل ما يتنفس .
في ظل كل المعطيات السابقة استطاعت السلطة الفلسطينية وبالرغم من التحفظ علي أدائها أن تدرك تناقضات وتعقيدات المرحلة فمنذ بدء \" الربيع العربي \" حافظت علي علاقات متوازنة مع جميع الأطراف ولم تعقد حلفأ استراتيجياً إلا مع شعبها ومصالحه , وهي مطالبة في هذا الإطار بترسيخ قواعد الوحدة الوطنية لإنهاء العدوان وإعادة البناء وتوجيه البوصلة باتجاه دحر الاحتلال دون الانخراط في أي محور إلا بما يحقق هذا الغرض .