تاريخ النشر: 2021-04-30 | 18:20
تاريخ النشر: 2021-04-30 | 18:20
في العام 399 قبل الميلاد، أدانت حكومة أثينا الديمقراطية الفيلسوف سقراط بتهمة "إفساد الشباب"، ووصف أفلاطون وكسينوفون هذه المحاكمة بأنها أحد أهم المحاكمات في العصر القديم.
لعل ما نريده من هذا المثال هو "عنوان التهمة" "إفساد الشباب" وإن كانت تحمل في زمانها لسقراط غير الذي تحمله هذه التهمة في زماننا الحالي بعد حادثة الاعتداء من أحد عناصر الضبط الميداني في قطاع غزة على الصحفية رواء مرشد.
أثناء تصفحي للعديد من الآراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتعليق على الحادثة، تفاجأت بأن هناك أفكاراً ظلامية، وكأن في داخل كل واحد منهم داعشياً كامناً، ينتظر لحظة إشعال الشرارة حتى يضرب فتيل معتقداته التي لم تكن يوماً تمسكاً بالدِيْن، بل أخذها من مسؤوله في الحزب أو أميره في التنظيم.
ومن بين التعليقات التي كانت لفتت انتباهي: "مع احترامي وتقديري لشخصك الكريم تسلم إيد الشب اللي شمطها أكم من عصاية، ونحن كشعب نوافق على هذا الفعل لأنو لو بدنا نعمل زي مابتقول كان أخلاقنا صارت زي الزفت، العصاتين ما نقصن من لحمها حاجة بل منعن حالة من قلة الأدب المرفوضة شعبياً، أما المحاكم والقانون فمبروكات على أصحابها".
المتناقض في تعليقه أنه استهل حديثه بتقديم الاحترام والتقدير للتعليق على حادثة انتهك فيها أحد ضباط الأمن احترام فتاة لمجرد أنها "غير محجبة"، ويُكمِل "تسلم ايد الشب اللي شمطها" اللفظ هنا لا يحتاج إلى تفسير كونه يدلل على دناءة وسوقية المتحدث، وكأن الأمر طبيعيٌ في ضرب المرأة من أي شخص عام، أو من أب أو زوج أو إبن، ويتابع حديثه "نحن كشعب نوافق" صيغة الجمع والحديث باسم الشعب والموافقة نيابة عنه، تنم عن تربية سياسة القطيع التي نشأ عليها واقتنع بمبادئها، فدائماً أصحاب العقول المتحجرة يتحدثون باسم الدين والمسلمين، وخير دليل خوضهم 3 حروب بغزة باسم الشعب والموافقة نيابة عنه.
الحديث لم ينتهِ.. بل أكمله، "كان أخلاقنا صارت زي الزفت"، "من قلة الأدب المرفوضة شعبياً"، "المحاكم والقانون مبروكات على أصحابها"، للوهلة تحسد صاحب التعليق على ثقته المطلقة بنفسه وهو يتحدث بعقل متحجر، يتعامل مع المرأة على أنها عار وعورة، يقتصر دورها حسب ما يراه تفكيره فقط والمقتصر دائماً "بالشهوات"، ويضع معياراً لقياس الأخلاق، ويصل بنا إلى ضرب الأدب اصطلاحاً ومضموناً.
من منظور صاحب التعليق أن الصحافية كونها "غير محجبة"، تستحق الضرب والإهانة ومصادرة حريتها، ومن منظور آخرين كثيرين أن هؤلاء أصحاب الفكر الداعشي، ومن خلال تجارب في مجتمعاتنا العربية أنهم هم من أوصلوها للهلاك والدمار، يريدون الاحتكام للهمجية والبلطجة، ونسبوا القانون لأصحابه الذين يفصلونه على مزاجهم.
اللافت أن هناك عدداً من أصحاب هذه العقول العفنة التي تبيح ضرب الفتاة لمجرد أنها غير محجبة، وأعطتهم الذريعة من معتقدهم للدخول إلى صفحة الصحافية وتداول صورها برفقة خطيبها، وانتهاك كامل حريتها، لمجرد أنها اعترضت وطالبت بحقها، الأمر الذي يجعلنا ننتظر إعادة تطبيق أحد أهم المحاكمات في العصر القديم، ومحاكمة رؤوس الفكر الرجعي الذي لا يزرع إلا الفتن وإلغاء الآخر.