التسويف في سياسات السلطة أحد الأسباب الرئيسة في تمادي المستوطنين في استباحة حياة الفلسطينيين وأملاكهم
لا «يستريح» المجرمون ما بين جريمتين. فبعد أن أحرق المستوطنون المتوحشون الفتى محمد أبو خضير قبل عام، تابعوا ما كانوا بدؤوه منذ وجودهم في الأرض الفلسطينية.
وفيما كان جيش الاحتلال يطلق النار هنا وهناك، كان مستوطنوه يشعلونها في كل ما هو فلسطيني، ليأتي دور الرضيع على الدوابشة الذي تفحم بعد إحراق منزل أسرته وقد أصيب معظم أفرادها بحروق خطيرة.
وخارج «عجقة» المواقف المنددة والمحذرة والمتوعدة.. كان غضب الشارع الفلسطيني هو الحاضر في المواجهة غير المتكافئة مع جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وسقط شهداء وجرحى وسط معركة ضيقت السياسات الرسمية الخاطئة حدودها وآفاقها.
ومع تكرار الجرائم الإسرائيلية واتساعها تراكمت الأسئلة المشروعة، عن سبب التلكؤ في استخدام الأسلحة الفلسطينية المتاحة من أجل ردع هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها على طريق إجلائهم عن الأرض الفلسطينية المحتلة.
مصدر الجرائم الإسرائيلية واضح ومعروف وهو الاحتلال؛ ومرتكبوها هم أحد تعبيراته التي تجسد سياساته التوسعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وإذا كانت الحكومات الإسرائيلية السابقة قد شقت طريق الاستيطان في الضفة والقطاع وعبدته وعملت على توسيعه وحمايته، فإن حكومات نتنياهو أعطتهم الضوء الأخضر كي يقرروا السياسات الميدانية الاحتلالية في الضفة بما فيها القدس الشرقية، وتركت لهم حرية اختيار الأهداف الفلسطينية باعتبارهم أصبحوا العضو غير المسجل رسميا في المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، وإن كانت الأحزاب الممثلة فيه أحزابا استيطانية من الدرجة الأولى.
هذا - على الأقل - ما يفسر الحملات المسعورة التي يشنها المستوطنون ضد الفلسطينيين وأملاكهم، وقد باتت هذه الحملات منظمة وتسير وفق خطة مسبقة في استهدافاتها.
وفي هذا المناخ الذي وفرته حكومات نتنياهو للمستوطنين، بات من الطبيعي أن تبرز من بين صفوفهم الاتجاهات الأكثر وحشية وعدوانية تجاه أصحاب الأرض، ونقل المستوطنون المعركة من جبهة مواجهة مشاريع انسحابات متوقعة من الضفة، باتجاه الهجوم على الوجود الفلسطيني برمته على أمل التعجيل بإجراءات أحادية الجانب تقوم بها تل أبيب وتؤدي عمليا على الأرض إلى تقسيم الضفة وحشر الفلسطينيين حيث هم موجودون.. وأقل.
والخطير أيضاً أن المستوطنين، وبموافقة جيش الاحتلال، باتوا يتولون الجانب العسكري الذي «يخصهم» وكان هذا سابقا من صلاحيات الجيش الإسرائيلي حصرا. وهو ما راكم السلاح بين أيديهم وانتشرت العصابات المسلحة في صفوفهم، وبالتالي باتت البنية العسكرية المرشحة للتطور جزءاً أصيلاً وحيويا من بينة الاستيطان.
كل هذا يجري، فيما امتلك الفلسطينيون سلاحاً لم يستخدم حتى اليوم، وقد أتاح لهم الانتساب إلى محكمة الجنايات الدولة وغيرها من المؤسسات ذات الصلة بجرائم الاحتلال مقارعة والدفع باتجاه محاسبته على جرائم الاستيطان ونهب الأراضي وهدم المنازل والاعتقال والعدوان... وغيرها.
لذلك ينحصر الغضب الذي ينفجر في الشارع الفلسطيني مع كل جريمة تقع في حدود المواجهة الموضعية والتي تنحسر مع مرور الوقت لعدم وجود رافعة ينبغي أن تمثلها سياسة فلسطينية موحدة متفقة على خوض معركة مفتوحة مع الاحتلال، بديلا عن سياسة ترقب «الفرج» على يد أي من مبادرات التسوية التي تتكرر عناوينها وأسسها وشروطها البعيدة تماماً عن تحقيق أي من التطلعات الفلسطينية المشروعة ربطا بالحقوق الوطنية.
لذلك، قلنا منذ ارتكاب المستوطنين جريمة حرق الفتى أبو خضير، وقبل ذلك أيضاً، إن المعركة قائمة الأسباب منذ بدء الاحتلال، وتجميدها لعقود رهانا على التسوية السياسية أدى إلى انتصار العدو دون خوضها، وهذا يعقد إلى حد كبير قدرة الفلسطينيين على المواجهة في ظل التأخير المتعمد لخوض هذه المعركة... فالعدو يراكم قوته... والفلسطينيون يحصدون الخسارات تباعا.
الجريمة التي ارتكبتها عصابات المستوطنين وبقدر ما كشفت عن وحشيتهم، سلطت الأضواء على العجز الذي تعيشه السياسة الرسمية الفلسطينية التي كان واضحا أن ارتدادات هذه الجريمة في أروقتها لم يكن بالمستوى الذي تفرضه بشاعتها ومغزاها.
ومن أول ما تفرضه وضع قرارات المجلس المركزي قيد التنفيذ المباشر، وخاصة بما يتعلق بتصويب العلاقة مع الاحتلال بما يمثله من اعتداءات وانتهاكات متواصلة، وما يمليه ذلك من تنفيذ قرار المجلس بوقف التنسيق الأمني مع تل أبيب. ولا نفهم إلى الآن سبب التلكؤ في حسم الموضوع في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وهذا يعيد إلى الواجهة نقاش دور التنفيذية وآليات عملها واتخاذ القرار في إطارها ومد قدرتها على فرض تنفيذ قرارات المجلس المركزي.
المؤسف أننا وأمام كل حدث خطير وتطور هام نضطر لاعادة التأكيد على ضرورة الاسراع بتصويب الأوضاع الفلسطينية بدءا من استعادة الوحدة عبر إعادة الاعتبار لقرارات الحوارات الوطنية الشاملة وهذا الأمر يحتاج إلى الارادة السياسية التي من الواضح أنها غير متوافرة إلى اليوم لدى طرفي الانقسام. ولايزال التوجه إلى المجتمع الدولي بمؤسساته وقراراته مقيد بالرهان المستديم على التسوية السياسية دون ربط أسسها بقرارات الشرعية الدولية وهو ما شل القدرة الفلسطينية على تثمير أبرز الانجازات الأممية التي تجلت في ترقية وضع فلسطين في الأمم المتحدة وانتسابها إلى عدد من مؤسساتها الهامة وخاصة ذات الصلة والصلاحية بمحاسبة الاحتلال على جرائمه.
هذا التسويف كان ومايزال أحد الأسباب الرئيسة في تمادي المستوطنين في استباحة حياة الفلسطينيين وأملاكهم، وسيقى الوسادة التي يتكئ عليها الاحتلال في تماديه في تنفيذ سياساته التوسعيه وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.
استشهد الرضيع علي الدوابشة ضحية الوحشية القاتلة .. واحتراقه بنيران الحقد والعنصرية ينبغي أن يضع الجميع أمام مسؤولياته .. وإلا دعونا ننتظر المزيد والمزيد من الضحايا .. ولنكتفي باحصائهم.