تاريخ النشر: 2019-08-04 | 14:17
تاريخ النشر: 2019-08-04 | 14:17
في الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 ، كان الشبان وعناصر التنظيمات يرسمون على جدران البيوت صليبا معقوفا ، وكانت تمر دوريات جيش الاحتلال عبر الحي ، فتستشيط غضبا وتقتحم البيوت وتخرج ساكنيها وتحتجز هوياتهم حتى يقوموا بمسح الرسومات عن الجدران .
رفع شعار النازية ليس جديدا ولا مستحدثا في النشاطات التظاهرية الفلسطينية ضد الاحتلال ، لكن الفرق في المفاهيم لدى ثوار المرحلة ، وأيضا في طبيعة الوضع الإسرائيلي عربيا ودوليا في تلك الحقبة وهذه الحقبة .
في الانتفاضة الأولى كان الشبان يرسمون شعار النازية كنوع من الاتهام لجيش الاحتلال بتهمة النازية وارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين العزل المسلحين بالحجارة، وكان ذلك فعلا يستفز جيش الاحتلال بدرجة كبيرة، كأنما يشعر الجنود بأنهم نازيون قتلة ، فيحاولون التبرؤ من التهمة بمزيد من العنف .
وكان هنالك فئة أقل وعيا من الشبان الفلسطينيين، يرفعون الشعار بمفاهيم مختلفة، إذ كانت رؤيتهم الضيقة أن رفع الصليب المعقوف يعني أن الاحتلال يستحق ما جرى في " الهولوكوست " ، وذلك نوع من السخط العفوي بسبب ممارسات الاحتلال .
في تلك الحقبة كان الثائر الفلسطيني رمزا عالميا، الحجر والمقلاع كان بمثابة نداء للحرية والثورة في شتى بقاع العالم، يتغنى الناس بثورة الحجر التي تقاوم قوة قاهرة ، ويكيلون الثناء على الكف التي تناطح المخرز ، حتى الشعوب العربية كانت تبدع في طرق الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني ، والأنظمة كانت تتساوق مع الميل الشعبي ، إذ أن الوعي الثوري الفلسطيني كان أكبر ، وكانت تستغل الأحداث بشكل ينقل صورة بهية للعالم عن الثورة الفلسطينية ، رغم وقوع بعض الزلات والأخطاء الداخلية والتي لم تكن ظاهرة للعين الخارجية.
في الجمعة الماضية على الحدود رفع أحد الشبان شعار النازية مطبوعا على راية ، وبالطبع لم يفكر رافع الراية فيما يمكن أن يستغل ذلك في مرحلة عصيبة يعانيها الشعب الفلسطيني ، قضية تائهة ، قيادات متخبطة ، تشرذم سياسي مدمر ، تقارب تطبيعي هائل بين العرب والاحتلال ، محاولات الاحتلال لتسويق فكرة الشعب الإرهابي المعتدي على أمن دولة " إسرائيل " ، رافع الراية كان جاهلا تماما بالأمر ، معتقدا على الأرجح أنه يستفز جيش الاحتلال برفع الصليب المعقوف ، فيما مضى كان يمر الحدث بشكل عادي ولا يتم ربطه بأي أيدولوجيات دموية ، لكننا كفلسطينيين تبدلت أحوالنا لدرجة أننا صرنا متهمين بدلا من كوننا أصحاب قضية ومسيرة تحرر .
وبلا شك أن القائمين حتى على مسيرات العودة لم يدر بخلدهم ما يمكن أن يجلبه رفع هذا الشعار، ومدى سلبية حدوث ذلك، ومدى الخدمات الجليلة التي تقدم للاحتلال بهذا الجهل العجيب، وربط العلم الفلسطيني بشعار النازية!
ورغم أن الصليب المعقوف يستخدم في عدة دول كرمز ديني بوذي ما قبل ظهور النازية ، واستخدم وما زال يستخدم في المعابد الهندوسية ضمن الرسومات البديعة على الجدران ، إلا أن استخدامه من الفلسطيني يصبح صرعة العصر ، وقضية الساعة ، من دولة احتلال تعرف كيف تستغل وتجيّر كل حدث ولو بسيط لصالح روايتها ضد الفلسطينيين ، والذين تسعى لشيطنتهم أمام العالم ، ومحوهم من الوجود، وللأسف فالمجريات الداخلية الفلسطينية برمّتها تصب في المجرى الذي يريده الاحتلال تماما ، وتتساوق الأفعال الساذجة والمغامرات غير المحسوبة مع رغبات الاحتلال ، وتؤكد ما يروّج له .
لطالما كانت المشكلة في أي ثورة باءت بالفشل هي غياب الوعي، غياب الإدراك عن المسارات الصحيحة، الفوضى والعشوائية وعدم وحدانية القرار، كلها عوامل تؤدي للفشل، وهذه كلها للأسف متوافرة بشدة في الثورة الفلسطينية، وازدادت حدتها في هذه المرحلة الفوضوية من تاريخ القضية الفلسطينية.
أعتقد أن على كل قيادات الشعب الفلسطيني وصنّاع الرأي، وما يطلق عليهم لقب النخب المجتمعية والثقافية، القيام بحملات توعية هائلة للجيل الصاعد، لعل ما فسد في الأجيال السابقة، يمكن اللحاق به في الأجيال القادمة، هذا إن كان هنالك أمل قائم في أن تدرك الأجيال القادمة قضيتها بشكل سليم خالٍ من الأورام السرطانية التي زرعتها أجندات الفصائل بين أبناء الشعب الواحد .