فتحية... لم تكن الحياة مغلقة كما يصورها لنا البعض .لكل وقت سلوكه وعاداته .فتحية صبية . ابنة الحارة في المخيم .جميلة جدا .مطمح كل الشباب .ان يسمعوا كلمة واحدة منها . كانت متالقة ومتانقة .فاتنة الزي تلبس ثوبا مطرزا ضيقا .توشح وسطها بمنديل ناعم رقيق .تبدو في مشيتها سيدة الكون والقلوب .كل يوم عصرا يجلس الشباب على قارعة الطريق .كل امام بيته او يفتح الشباك . الشباك في المخيم لا يبعد كثيرا عن الارض . تمر فتحية تحمل جرة الفخار على جنبها الايمن تسندها بيدها اليمنى .تسير متمايلة .تلبس قبقابا جديدا من الخشب البني .تلصق على جلدته قماشا ملونا . ثم تملئ الجرة من طلمبة مياه الحارة .قد تجد عددا من الشباب ينتظرون بجرارهم .يتسابقون على ان تطلب منه فتحية ان يساعدها في دق يد الطلمبة .كل منهم يحلم في دلك .بل يساعدها في تحميل الجرة على راسها .فتحية لها طريقة غريبة في وضع الجرة على راسها .تضع الحواية .. وهي قطعة قماش مدورة .. على طرف راسها .ثم تضع الجرة على سيفها الايمن .فتميل الجرة مئة واربعين درجة حتى يخيل الينا انها ستقع . تسير فتحية بهدوء .شوية شوية . الجسم يتمايل بخفة الروح . تسوقها اعين شباب الحارة .كل يحمل مشطه في جيبه .ويضع البشكير على رقبته . انها فتحية رمز الانوثة . وجميلة جميلات الحارة . جمال رباني دون اصباغ .. شعرها يتدلى حتى منتصف جسمها . احيانا تجدله جدائل ملونة بشرائط حمراء وزرقاء . الى ان تصل بيتها في اخر الشارع .عيون الرب تحرسها وعيون الشباب تحملها بين الرموش . وجوا الضلوع .كنا نلاحظ ان بعض بنات الحارة كن يتعمدن المشي خلفها او امامها علها تفوز بكلمة او نظرة فائضة .. في حرب 1967 استشهد والدها على جبهة القتال . خرجنا كلنا في وداعة . فتحية يتيمة .باعت ثوبها المطرز حتى تاكل . فما عادت تظهر لنا او لغيرنا . بقرار عائلي تزوجت فتحية مجبرة ابن عمها . كبر اولادها . التحق الكبير بالفدائيين واستشهد بالانتقاضة الاولى عام 1988م . بقي لها ابن يعمل في السلطة الوطنية الفلسطينية . وكان مطلوبا لجيش الاحتلال . اعاد لامه مجدها وحيويتها . فتحية صارت جدة . خرجت من البيت بثوب اسود يكسوها كلها .لم يكن جميلا عليها . غريبا على وجهها وجسدها . لكن الزمن لم يتركها . فقد قتلوا ابنها المطارد قبل تسع سنوات . لم يبق لها شيئ في هده الدنيا . خرجت تمزق ثوبها الاسود . وتنكش شعرها في الشارع . ثم غادرت المخيم الى خارج الوطن . اين انت الان يا فتحية .اين حواية الجرة يا فتحية . تعالي سنملا الجرة سويا يا فتحية . لم اعد ارى شيئا من ثقب الحياة . تعالي يا حياتي . يا حكاياتي . شباب الحارة اصبحوا عواجيز وهم ينتظرون . بعد استشهاد ابنك الثاني جفت الطلمبة . والجرار في انتظار من يملؤها . تعالي يا رمز الحياة بكل تقلباتها .