الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

فتحي عبد الرحمن في كلمة يوم المسرح العربي: دور الفن في التحرر

فتحي عبد الرحمن في كلمة يوم المسرح العربي: دور الفن في التحرر

تاريخ النشر: 2025-01-11 | 15:48

تزاحمت الصور والمشاهد في ذهنه، فلم يدر بمن يبدأ، والمنادي ينادي على صاحب كلمة يوم المسرح العربي، في مهرجان المسرح العام في العاصمة العمانية مسقط أمس الأول الخميس. لعله ترك تداعيات الذاكرة، وتداعيات الوطن الذي يحمله، لمنح صوته التركيز في قراءة النص. لكن هل سيكون ذلك ممكنا فعلا؟ أم ستخرج مع كلماته مشاعر الفنان والإنسان، القادم من فلسطين، المتعرضة للاستباحة كما لم تتعرض من قبل!

بدايات نور العين والسمع، ذلك الطفل الذي ولد في مخيم للاجئين ودرس في مدارس الأونروا، والمسرحية الأولى التي شاهدها في حياته كانت في مخيم فلسطيني. "سبعين عاماً وأنا أتنقل من مخيم لآخر، وفي كل مرة كنت أحمل كتبي ونصوصي المسرحية أينما ارتحلت أو رُحلْت لأبدأ من جديد، على أمل أن يتحقق الحلم بالعودة والحرية، وعندما عدت إلى وطني، الذي بات أكبر سجن عرفه التاريخ، تابعت درب الآلام الكبير كما تابعته في الشتات، فقد ظل المسرح وحده ينقذني من غربتي ووحدتي وقهري. كنت أحمل خشبتي على ظهري وأتنقل بين مئات المواقع في القرى والمخيمات، أتوحد مع من يعانون مرارة العيش والقهر والتمييز، واستبداد الاحتلال. أدركت حجم الظلم الذي تعرض له زملائي المسرحيون والفنانون في المعازل التي فرضت عليهم، عايشتهم في قتالهم بصدورهم العارية ليكون لهم مسرح، ولتكون لهم حرية التنقل والتعبير، وحرية الوصول إلى المعرفة المسرحية والتعلم، والوصول إلى المهرجانات والندوات وتبادل الخبرات.".

كأن فتحي عبد الرحمن يستدعي رحلته بعبارات قليلة، تاركا لنا تتبع مراحل حياته المسرحية، والتي عايشنا جزءا منها بعد عودته الى فلسطين منتصف التسعينيات، بعد طول نفي وتشرد. ولنا أن نشهد على فتحي عبد الرحمن "سيزيف من سيزيفات" المسرح العربي والعالمي، وهو يحمل الصخرة الى أعلى الجبل، لا ليرتاح بل ليبدأ من جديد.

قلت له، ونحن مرة في المسرح الشعبي، الذي أعاد بناؤه في مخيم الأمعري: أما تعبت أستاذي وأنت في كل عرض تحمل أعباء كثيرة، وتتابع التفاصيل؟ هل يبقى لك وقت تتفرغ فيه فعلا للإخراج؟ يبتسم "أبو كرم". تكفينا ابتسامته، لكن يفاجئنا في كل عرض جديد بالإبداع. وفتحي عبد الرحمن، الذي أضاف للمسرح الأردني والفلسطيني، له فضل على كثيرين، ولعل واحد منهم. كنت محررا ثقافيا ناشطا في الكتابة عن المسرح، حين جاء من عمان، وأشرف على عدة دورات وورش في الكتابة والنقد قبل 3 عقود، صحيح أنه كان يتفهمني عندما أغفو قليلا، كوني قادما من عملي في التعليم والتحرير، لكنه كان يؤمن بضرورة الاستثمار بتطوير النقد المسرحي، فغرفت من خبراته، وخبرات آخرين أجلهم جميعا، فلم نكن لنصل هذا المستوى لولا الدعم والتشجيع، والفنان عبد الرحمن كان حجر الزاوية، حيث استضافني في الفرقة كأنني عضوا بها، وهناك صرت أعيش عوالم المسرح قبل اكتمال العرض.

لعلها الأمانة فمن يحملها!

واليوم يخاطب فتحي عبد الرحمن المسرحيين العرب في الاهتمام بالمضامين التي تحتاجها أمتنا لأنه يؤمن بالغد المشرق:

 المسرحيون الشباب، المندفعون الشغوفين الحالمين بتوحيد المجتمع الانساني والانتصار للحقيقة والعدالة والجمال، هل يكفي أن أدعوهم للقتال في سبيل تحقيق أحلامهم، وهم يشاهدون منذ أشهر طويلة كيف يتحكم مجموعة من المجانين المتطرفين بمصائر الشعوب ... هل أدعوهم للتمسك بالمثل الأعلى والمبادئ وقد بات العالم أكثر غموضاً! إلام أدعوهم وقد اكتشفوا أن التربية في أوطاننا تكرس الأمراض وتحولهم إلى عجزة، إلى ما أدعوهم وقد شاهدوا بأم أعينهم ملايين الشباب في العالم العربي كيف ينتفضون ويصرخون ضد التمييز والعنصرية والحروب الظالمة، وهم غارقون بمشاعر اليأس والعجز والصمت، ماذا أقول لهم وهم يشاهدون آلاف الرجال وقد خرجوا من السجون أشبه بالكهول بعد أن خطف الاستبداد والدكتاتورية زهرة شبابهم لأنهم نادوا بالحرية؟ خبرتنا تقول ونحن نقترب من نهاية القوس، لا خيار لكم ولنا، لا تتراجعوا ولا تتخلوا عن أحلامكم وعن إصلاح العالم، فأنتم ونحن لسنا عميان، لا زلنا نبصر الكوارث والبؤس والآلام في العالم وفي أوطاننا، لا تتركوا البشاعة والخوف تثنيكم عن الدفاع عن الإنسان، عن الأوطان، عن الأحلام، فحياةٌ قصيرة، مفعمة بالحرية والكرامة والحب، أفضل من حياة لا نهاية لها ولا طعم، المهم أن نحاول وإن كان في ذلك المستحيل".

ومن منطلق "شكل المسرح ومضمونه، يرى عبد الرحمن: "المسرح مخيالنا، إبداعنا، متعتنا، وجنوننا، شرفتنا التي نطل منها على العالم لنطرح الأسئلة، لنتعلم الحكمة والحب ونقرأ التاريخ ونستشرف المستقبل". أما الهدف عبر المسرح فهو لتضميد "جراح أرواحنا، وأرواح المكلومين المتألمين المحرومين المخذولين، ننتصر لحريتهم وكرامتهم وحقوقهم، ننتصر لكل ما هو جميل وأصيل وعادل، ونزرع بذور الأمل".

في كلمته لنا، نحن المسرحيون العرب، يذكرنا بعالمية الفنون والمسرح: ممتن لمنفاي الذي أتاح لي فسحة التعلم والاكتشاف والتجريب، وأتاح لي كذلك أن أعرف أكثر عن: ستانسلافسكي وبرخت وارتو وجروتوفسكي، ومن بعدهم بيتر بروك وكانتور وباربا وتشاينا. وفي كلمته يتعمق لدينا الوفاء لجهود السابقين: "ممتن للمخرجين والممثلين والمسرحيين المبدعين العرب، الذي جايلتهم أو تتلمذت على أيديهم وهم كثر، الذين ساروا في ذات الدروب الشيقة والشاقة، حاملين مشاعل الإبداع، الذين أناروا أمام جيلنا الدروب وارتقوا بذائقتنا وحرفتنا وعلومنا المسرحية، ومنحونا الثقة والقدرة على الاستمرار، وحفزونا على تجديد أفكارنا ورؤانا وأدواتنا الفنية. أولئك الذين ضحوا كثيراً من أجل فنهم وقضايا شعبهم، ومن أجل الجمال."

فتحي عبد الرحمن منظمة وفاء، لذلك لم ينس الجمهور المسرحي: "ممتن لجمهور مسرحنا العربي، الذي كان حضوره وتفاعله وتقديره للمسرح، يبعث الدفء في قلوبنا ويسعدنا مثلما نسعده، يشاركنا الأمل والتأمل في أحوالنا، يشاركنا الاحتجاج والغضب على انتكاساتنا وتراجعنا وتخاذلنا عندما تتراجع أمتنا،.. الجمهور الذي يرفض القبح والإسفاف والظلم والأفكار الظلامية وكذب السياسيين."

ومن دلالات كلمته في المسرح العربي، يركز عبد الرحمن على الدور الإنساني من خلال التربية العميقة لا الوعظ قائلا: "المسرح علمنا الإصغاء والتأمل، علمنا التحاور وقبول النقد وتنظيم الاشتباك. ليس مسرحاً ذلك الذي لا ينتصر لقضية الانسان، لقضية الجمال وقبول الاختلاف والتنوع والتعددية.."

ولم ينس الفنان الفلسطيني فتحي عبد الرحمن الحديث عن تطوير الفن المسرحي، كون الرسالة تحتاج له، وتحتاج لمواكبة العصر دون الزهد بخبرات من سبقونا: "علينا أن نجدد ونبتكر في أفكارنا ونصوصنا وعروضنا وتقنياتنا المسرحية، ..والتجديد لا يعني أن نقتل آباءنا ومعلمينا ومن أخذنا عنهم المسرح، فأولئك من أضاؤوا مشاعل المسرح، من ضحوا وقدموا ومهدوا الطريق أمام من أبدعوا وأكملوا من بعدهم".

وقد ركز على التكنولوجيا: "تمكّن المسرح الذي ابتكره الانسان منذ خمسة وعشرين قرناً من التأقلم مع الشروط الجديدة التي خلقتها هذه التكنولوجيا، وهو يستغلّ الكثير من وسائطها في تقنياته، كاستبدال الديكور بالإضاءة، وتحديد مداخل الممثل ومخارجه دون وجود الكواليس، واستخدام الخرائط والصور والتسجيلات الصوتية والمرئية وغيرها من عشرات الاستخدامات الجمالية والوظيفية. إن المضيّ في المسرح يتطلب مواكبة هذه الاكتشافات وتجريبها في المسرح وعدم تجاوزها واهمالها".

الأدب من الحياة ولها، والمسرح كذلك رسالة وقضية، ومن بينها قضية بلاده فلسطين، التي وجد نفسه يؤكد حضورها في كلمته بل ويختتم بأسئلته في ظل حرب الإبادة والتهجير، التي تعني إنهاء الاحتلال، عبر توعية الأجيال الجديدة "عمن يتحكم في هذا العالم وبأية وسيلة؟

رسالة نبيلة هي كلمته: "لا نريد أن تتراجع إرادتنا عن إصلاح العالم وإصلاح أنفسنا، فواجب الفنانين في أحلك الظروف أن يرفضوا الاستسلام للظلم، وأن يتمسكوا بجعل حرية الانسان وكرامته في مركز العالم، وأن يسهموا في تأهيل بني البشر لرفض التمييز والعنصرية والحروب، ويعملوا على توحيد المجتمع الانساني، بالدفاع عن الحقيقة والعدالة وحق الشعوب في الوجود.".

منظومة فنية مسرحية وطنية وقومية وإنسانية جمعها في كلمته في يوم المسرح العربي، الذي يوحدنا هنا ثقافيا وإنسانيا.

 وهكذا، فإن الطفل اللاجئ الذي وجد نفسه بلا مأوى وأرض، يشق طريقه في عالم الفن، ليرسخ اسمه كأحد المسرحيين العرب، فتكون كلمة المسرح العربي هذا العام له تتويجا لعطائه وتقديرا لفلسطين الثقافة والفن والنور.

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط