تاريخ النشر: 2017-10-04 | 23:47
تاريخ النشر: 2017-10-04 | 23:47
بعد التوافق المبدئي على إنجاز المصالحة الداخلية بين الرئيس محمود عباس وحركة حماس الذي يأتي في ظل دعم إقليمي و دولي مهد له رفع الفيتو الأمريكي و الإسرائيلي مؤخرا عن المصالحة ، في الغالب فإن الأمور سوف تذهب في إتجاهات إيجابية ، خاصة أن حركة حماس ترى في هذه الخطوة مدخلا لتحقيق العديد من المكاسب التي تمكنت خلال المرحلة الماضية من تكريسها على أرض الواقع و تسعى إلى شرعنتها و قوننتها في قوالب تخدم بالدرجة الأولى رؤيتها الإستراتيجية وما يحقق أهدافها الحزبية ، لذلك تبدي حرصا شديدا على تسهيل المسار الجديد للمصالحة الذي ترعاه مصر و إزالة كل العقبات التي تعترض طريقه ، و تعتمد مبدأ الثبات في الإستراتيجية و أبعد مدى من التكتيك في الإنفتاح والإستجابة و المناورة المحسوبة على كل الصعد الحزبية و الوطنية و الإقليمية .
حركة فتح المنقسمة على نفسها تذهب لخوض غمار المصالحة وهي في الواقع رهينة لمعطيات سابقة ولاحقة ، حتى و إن كانت تسعى لتقديم صورة توحي بأنها المنتصر و صاحبة اليد العليا في معادلة التوافق الجديدة ، ولا يغيب عن المراقبين لمجريات الأحداث بأنها تدفع ثمن الهزيمة المريرة التي لحقت بها بعد طرد السلطة الفلسطينية من قطاع غزة و سيطرة حماس عبر القوة المسلحة و فرض سلطتها المطلقة على الأرض ، بالإضافة إلى ما لحق بالحركة من تشظي و إنقسامات ، و ما تعيشه من حالة ترهل وضعف داخلي في بناها التنظيمية و قواعدها الشعبية مما يجعلها في موقف لا تحسد عليه .
الرئيس عباس أيضا وفق كل الإستطلاعات و مسوح الرأي العام يعيش حالة من الإنفصال عن جماهير الشعب الفلسطيني ولا أدل على ذلك من كون أكثر من ثلثي الفلسطينيين يطالبونه بالإستقالة و التنحي عن رأس الهرم السياسي بعد فشل توجهاته السياسية في تحقيق أي شيء للقضية الوطنية التي تراجعت بصورة غير مسبوقة في عهده ، بينما يزداد التغول الإسرائيلي على كل مقومات الوجود الفلسطيني مصحوبا بمسلسل عدواني لا يتوقف ، و إعتماد سياسات و إتخاذ قرارات على الصعيد الداخلي ساهمت في إثارة النقمة على السلطة الفلسطينية .
لكن المفارقة الأهم في الساحة الفلسطينية هي بروز تيار الإصلاح الفتحاوي الذي يقوده النائب محمد دحلان الخصم اللدود للرئيس عباس و ما يحظى به من حضور فاعل جعل منه لاعبا أساسيا في الساحة الفلسطينية و الإقليمية على حد سواء ، حيث فشلت كل عمليات الإقصاء و محاولات الشطب و الإلغاء في الحد من تنامي تأثيره اللافت في الشارع الفلسطيني على حساب الحركة الأم ، لدرجة أنه بات اللاعب الأهم جماهيريا و تنظيميا في الساحة الفتحاوية بقطاع غزة مما دفع حركة حماس لعقد جملة من التفاهمات مع التيار برعاية مصرية وجدت ترجماتها العملية على الأرض عبر منظومة من المشاريع الإغاثية و المساعدات المادية و العينية للمواطنين بالإضافة إلى الشروع في تفعيل المصالحات المجتمعية وتقديم التعويضات لذوي ضحايا الإنقلاب الأسود من كل الأطراف بشكل وطني شامل ، هذا بالإضافة للحضور النوعي للتيار على الساحة اللبنانية و الساحات الأوروبية ، كما أن عمليات الإقصاء التعسفي التي مارسها الرئيس عباس و طالت القيادات و الكوادر الفتحاوية على كل المستويات أدت على سبيل المثال إلى إفراز أكثر من 15 عضو مجلس تشريعي في كتلة فتح البرلمانية و مثلهم من أعضاء المجلس الثوري لفتح والكوادر النوعية علاوة على المئات إن لم يكن الألاف من القيادات التنظيمية على صعيد أعضاء الأقاليم و المناطق و المكاتب الحركية والشبيبة وغيرها من أطر الحركة الذين يشكلون اليوم النواة الصلبة لتيار الإصلاح الفتحاوي في المحافظات الشمالية و الجنوبية على حد سواء .
يخطىء من يظن أن تيار الإصلاح الفتحاوي سيكون بمنأى عن خطوات إنجاز المصالحة الوطنية و جني مكاسبها الكبيرة على الصعيد الوطني في المرحلة القادمة أو سيتم وضعه على الرف كما يحلو لبعض السذج القول ، بل هو لاعب رئيسي إن لم يكن بيضة القبان في المعادلة السياسية الجديدة على الساحة الفلسطينية ، شاء من شاء و أبى من أبى ، أما من يريد أن يدفن رأسه في رماد الحقبة العشرية السوداء له ذلك ، ولكن إنكار الواقع لا ينفي الحقائق الصادمة التي تجسدت على الأرض و تجلياتها لا ينكرها إلا من فقد البصر و البصيرة ، و عندما يقر الكل الفلسطيني بهذا التحول المفصلي و ما نتج عنه من حضور و تأثير لافت ، وما أفرزه من تغيير جدي في المعادلة الوطنية ، لا يضير أن يتمسك طرف ما برفض الإقرار بالواقع و التعامل معه كما هو .
وبناء عليه فإن تيار الإصلاح الفتحاوي و ما يحمله من رؤية وطنية شاملة و قدرة على الحراك و التحرك و التحريك على غير صعيد في المعادلة الفلسطينية ، يفرض نفسه بكل ثقة كطرف رئيسي في صياغة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ، صحيح أنه ليس طرفا مباشرا في اللقاءات الرسمية بين طرفي الإنقسام ، و لكنه الغائب الأكثر حضورا على مائدة الفعل و التفكير و رسم الخطوات القادمة للطرفين بلا مبالغة .
و إذا كانت الغالبية الساحقة من الفتحاويين تتمنى أن يلحق بالمصالحة الوطنية خطوات أخرى تهدف إلى إجراء مصالحة فتحاوية داخلية و لملمة شتات الحركة على أسس موضوعية و جادة لمواجهة التحديات القادمة ، فإن الرئيس أبو مازن و المجموعة المحيطة بها لا يرون أية أهمية في ذلك ، و يصرون على التمادي في رفض التسليم بالواقع التنظيمي و السياسي و الجماهيري الذي نتج عن الفشل الذريع في شطب و إقصاء هذا الجيش الكبير من الفتحاويين عبر قرارات و إجراءات تعسفية خارجة عن كل اللوائح التنظيمية و النظام الداخلي في الحركة و القوانين العامة للسلطة الفلسطينية .
حركة حماس بذكاء إستفادت من هذا المتغير الهام ، وسارعت إلى فتح مسارات التعاون و عقد تفاهمات نوعية مع تيار الإصلاح الفتحاوي الذي يواصل مراكمة أوراق القوة بين يديه ، هذا بالرغم من تقديرات حماس بأنه خصم سياسي عنيد إن لم يكن الخصم الرئيسي لها على الأقل في قطاع غزة ، في الوقت الذي يفاخر و يجاهر الرئيس و من حوله بمواقفهم العدائية إتجاه التيار و رموزه و أنصاره ، ولا يدخر جهدا في ملاحقتهم بكل السبل المتاحة له للتخلص من هذه الحقيقة المريرة التي كان هو السبب في ظهورها ووجودها بهذه الصلابة و القدرة على التأثير و إحداث التغيير، عندما أدار الظهر لكل المساعي الحميدة لمعالجة الأمر بشكل صحيح منذ البداية وفق الأنظمة و اللوائح الحركية و الأعراف المرعية .
إن براغماتية حماس السياسية في اللعب على تناقضات حركة فتح الداخلية و إستثمارها لصالحها لا تخفى على أحد ، بالرغم من مواقفها الإعلامية الداعية إلى وحدة فتح ، وهي تدرك أن الإنقسامات الداخلية في صفوف فتح سوف تحصد نتائجها قطعا بالتأكيد على كونها القوة الأساسية الأولى و الأكبر على الساحة الفلسطينية و ما يترتب على ذلك من تغيير إستراتيجي وتاريخي في المعادلة الفلسطينية وطنيا و إقليميا و دوليا، بعد أن إحتفظت حركة فتح لنفسها بهذا الدور منذ إنطلاقة الثورة الفلسطينية 1965 .
صحيح أن تطورات المصالحة بين فريق الرئيس محمود عباس و حماس سوف تسير في الإتجاه الإيجابي وفق كل المؤشرات القائمة بالرغم من وجود شكوك ناتجة عن التجارب السابقة و حجم التحديات التي تواجهها الملفات الخلافية الرئيسية ، وهذا بخلاف موقف الرئيس من قضية الخلاف مع تيار الإصلاح الفتحاوي بقيادة النائب دحلان ، إذ يصر على الإستمرار في حربه العبثية حتى النهاية و مهما كلف الثمن حتى الأن ، و يبحث في كل الخيارات و يستخدم كل الأدوات لتحقيق هدفه الإستراتيجي بشطب دحلان و من معه من الخارطتين السياسية و التنظيمية ، هنا السؤال كيف يمكنه التصالح مع حماس بعد ما جرى و هو كثير ، و أن يسعى للتفاوض مع إسرائيل ، و يرفض التفاهم مع جيش من الفتحاويين الذين حملوه إلى سدة الحكم و سبب وجوده على رأس السلطة ؟؟ لا شك المصالحة مع حماس واجبة لطي صفحة الماضي و التفاوض مع إسرائيل مطلوب لإنتزاع الحقوق الوطنية أما وحدة فتح الداخلية فهي مصدر القوة و القدرة على تحقيق هذا وذاك و حماية مستقبل الحركة و الحفاظ على دورها الريادي في الساحة الفلسطينية ، لذلك فإن الخيارات الفتحاوية محدودة و لكنها ذات أفاق مفتوحة على النحو التالي :
أولا : أن يلجأ الرئيس أبو مازن إلى إستعادة اللحمة التنظيمية و الوحدة الداخلية للحركة و جمع شتاتها و لملمة أطرافها عبر التوجه لإنجاز المصالحات الفتحاوية الشاملة كمقدمة لإستنهاض الحركة و حشد طاقاتها و إمكانياتها لتحمل مسؤولياتها الجسيمة في مواجهة أعباء المرحلة القادمة بعيدا عن منهج الإقصاء و الشطب و الإلغاء الذي ثبت فشله الذريع على كل الوجوه ، و النتيجة الموضوعية لهذا التوجه ستكون إحتواء تيار الإصلاح الفتحاوي و غيره من مراكز القوى في الحركة و تصويب بوصلتها من جديد لتعود واحدة و موحدة و تستعيد هيبتها و روحها الكفاحية و إرادتها الطليعية .
ثانيا : أن يستغل الرئيس أبومازن أجواء المصالحة مع حماس لفرض مزيد من القيود و الإجراءات التعسفية تحت حجج و ذرائع شتى و إستغلال سلطاته و نفوذه للأستمرار في تصفية الحسابات و تأجيج الصراع الداخلي مع تيار الإصلاح الفتحاوي بكل ما يمثل من حضور تنظيمي و جماهيري ، دون الإلتفات إلى ما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة على مستقبل الحركة ، فيما يراوده حلم قديم و أمل يتمسك به في الدفع بالتيار إلى إعلان الإنشقاق عن الحركة عبر تشكيل جسم سياسي و تنظيمي جديد على الساحة و ضمان عدم عودتهم إلى الحركة الأم و تكريس القسمة و الإنقسام الفتحاوي للأبد.
في الحالتين حتما ستكون هناك ردود محسوبة و سيناريوهات مدروسة من تيار الإصلاح الفتحاوي الذي لا يقف موقف المتفرج و لديه ما يقوله و يفعله في مواجهة توجهات الرئيس عباس سواء كانت سلبا أو إيجابا ، على إعتبار أن هذا التيار الصاعد يعتبر أنه ساهم بقوة في إنجاز المصالحة الوطنية و الدفع بها إلى مراسي النجاح وهو يدرك أن تحقيقها مصلحة وطنية عليا سوف يجني ثمارها في إطار رؤية إستراتيجية ، وقد وضع في حساباته مايمكن أن ينتج عنها على كل الصعد سلبا و إيجابا . ودعا إلى إجراء مراجعة وطنية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ثابتة من الشراكة الوطنية و التعددية السياسية و إحترام و سيادة القانون ، بالمقابل ما يزال يتمسك بكل قوة بفتحاويته و إنتماءه التنظيمي و الحركي و يضع هذه المنطلقات خارج أي مساومات سابقة أو لاحقة و بناء عليه فإن كل الخيارات مفتوحة أمامه وفق أولويات واضحة غير قابلة للتأويل أو التحريف على النحو التالي :
أولا : التمسك بشرف الإنتماء لحركة فتح و العمل على إستعادة روحها الكفاحية ، وفي نفس الوقت السعي من أجل تصويب بوصلتها و مسارها ، و حماية دورها و موقعها الطليعي في قيادة النضال الفلسطيني طال الزمان أم قصر ، و الإستعداد التام للإنخراط في كل جهد فتحاوي مخلص و جاد في إجراء مراجعة تنظيمية و سياسية شاملة تقود إلى تعزيز وحدة الحركة و اللحمة الداخلية وفق اللوائح و الأنظمة الفتحاوية ضمن رؤية واضحة تنسجم مع الأولويات الوطنية تقود إلى تحقيق أهداف شعبنا في الحرية و الإستقلال .
ثانيا : إن التمادي في منهج الإقصاء و الإلغاء و مصادرة قرار الحركة بالتفرد و الإستقواء بإستغلال النفوذ و السلطة سوف يحمل في ثناياه نتائج كارثية على الحركة بحاضرها و مستقبلها يتحمل مسؤوليتها الرئيس أبو مازن و التيار الموالي له في القيادة ، فقد خرج المارد من القمقم و لن يعود إليه .
ثالثا : الذهاب إلى مصالحة وطنية حقيقية تؤسس لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا يعطي لأحد الحق في وضع فيتو على أحد إلا وفق الضوابط و الأعراف الوطنية و الدستورية ذات الصلة ، وهو إعلان رسمي بإنهاء حقبة سوداء من السلوكيات و الممارسات و الإجراءات و القرارات الدكتاتورية الحزبية و الشخصية و الجهوية ، و الإنتقال النوعي و البناء للشراكة و المشاركة الوطنية في صياغة حاضر و مستقبل شعبنا .
رابعا : إن اليد المعلقة في الهواء و الممدودة دوما من أجل الإتفاق و التوافق على إعادة اللحمة الحركية و التلاحم التنظيمي و معالجة ما سلف من أخطاء و خطايا بحق تيار الإصلاح الفتحاوي و رموزه و كوادره في مختلف المواقع و الساحات ليس من باب الضعف بل من منطلق الحرص الوطني و الإقتدار التنظيمي و قوة الدفع الجماهيري ، ستبقى فاعلة في كل الإتجاهات تقدم ما تستطيع من أجل خدمة شعبها و التخفيف من معاناته و السعي إلى تحقيق حلمه في الوحدة و الحرية و الإستقلال .
الإنتخابات العامة مكسر العصا
بقدر ما هي حركة فتح بحاجة لوحدة الصف و التلاحم التنظيمي في كل الأحوال إلا أن الحاجة لها ترتقي إلى أعلى درجات الأهمية القصوى عند إقتراب كل معركة إنتخابية حتى لو كانت على مستوى نقابة فرعية أو مجلس طلبة أو مجلس قروي ، فكيف الأمر عندما يتعلق بمعارك إنتخابية فاصلة و حاسمة يبنى عليها مستقبل النظام السياسي الفلسطيني و قيادة المشروع الوطني برمته ، مثل الإنتخابات التشريعية و الرئاسية التي لن تتأخر كثيرا إذا ما سارت خطوات إنجاز المصالحة الوطنية كما هو مخطط لها .
هنا يكمن التحدي الأبرز الذي لابد من الإستعداد لمواجهته و دفع الضريبة المضافة عليه ، فإذا ما أصر الرئيس أبو مازن على إقصاء و إستبعاد الكتلة الفتحاوية الوازنة ، و إعتماد إستراتيجيته على مبدأ ( فتح ناقص تيار الإصلاح الفتحاوي و من على شاكلته من الفتحاويين ) ، فهو يذهب إلى خسارات مؤكدة على كل الصعد مهما كانت خياراته التي تنحصر فيما يلي :
1 – أن تخوض حركة فتح هذه الإنتخابات بقوائم إنتخابية منفردة كما جرت العادة
2 – أن تبحث عن تحالف إنتخابي يضم فصائل فلسطينية منضوية في إطار م . ت . ف
3 – التوافق على تشكيل قائمة إنتخابية بإسم م . ت . ف
4 – التوافق مع حركة حماس على خوض الإنتخابات بقوائم إنتخابية موحدة
أما تيار الإصلاح الفتحاوي بقيادة النائب محمد دحلان في حال إستبعاده من المعادلة الفتحاوية الرسمية في الصراع الإنتخابي المقبل ، حيث أن هذا هو السينايو الأغلب في التوقعات المحتملة ، لكنه بالتأكيد يملك الكثير من الخيارات المفتوحة و قادر على تسخير إمكانياته و تفعيل أوراق القوة لديه في كل الإتجاهات لفرض وجوده على الخارطة السياسية الوطنية على النحو التالي :
1 – أن يقوم بتشكيل قائمة إنتخابية فتحاوية تضم شخصيات وازنة من التيار و التحالف مع مكونات فتحاوية أخرى مناهضة لتوجهات الرئيس أبو مازن .
2 – توسيع دائرة التحالفات المشاركة في قائمة إنتخابية واحدة تأخذ الطابع الوطني العام عبر إستقطاب شخصيات وطنية مستقلة أو ذات جذور يسارية و إسلامية سابقا ، بالإضافة إلى كفاءات أكاديمية بارزة و شخصيات إجتماعية وازنة .
3 – أهم مافي الأمر كل المؤشرات تؤكد أن التيار سوف يلجأ إلى تقديم نموذج متقدم و نوعي من الفرز الديمقراطي الذي يكرس المسؤولية الجماعية و التضامنية في إختيار المرشحين لتمثيله في كل المعارك الإنتخابية القادمة ، و يعتمد بشكل رئيسي على البرامج العامة و المتخصصة التي يطرحها و قدرته على تنفيذها في كل المجالات .
و بما أن الإنتخابات الفلسطينية تجري وفق النظام المختلط ( القائمة النسبية على مستوى الوطن – الدوائر الإنتخابية المحلية على صعيد كل محافظة ) يصبح لديه هامش كبير من المناورة في دعم هذا المرشح أو ذاك وفق معايير محددة تحكمها رؤية المصالح الإنتخابية و التحالفات المسبقة .
على كل الوجوه فإن ما سيحصده تيار الإصلاح الفتحاوي إذا ما إعتمد أي من خياراته الإنتخابية في صناديق الإقتراع من تأييد يتم ترجمته عبر الأصوات الإنتخابية سوف يكون على حساب قوائم الرئيس عباس و خياراته الإنتخابية بالدرجة الأولى ، خاصة في قطاع غزة الذي يمثل المعقل الرئيس لدحلان و أنصاره ، فيما حركة فتح في الضفة الغربية تشير كل إستطلاعات الرأي العام إلى أنها لن تحقق نتائج تنافسية مع حماس هناك بسبب حالة الإستياء و النقمة الجماهيرية إتجاه السلطة في رام الله و ممارساتها الأمنية و القمعية التي تثقل على كاهل المواطن الفلسطيني ، مما سيقوض فرص نجاح قوائم الرئيس أبو مازن في تحقيق النتائج المطلوبة لمواجهة الكتلة التصويتية المغلقة لحركة حماس ، لذلك فإن التيار وفق هذه التوقعات سوف يحتل المرتبة الثانية أو الثالثة من حيث القوة و ما يحققه من نتائج في الإنتخابات التشريعية القادمة ، و يزيد دوره أهمية عندما يتعلق الأمر بالإنتخابات الرئاسية حيث تصبح كتلته التصويتية ذات ثقل حاسم في تقرير من يصعد إلى كرسي الرئاسة إذا لم يدفع بمرشح محتمل لخوض الإنتخابات الرئاسية .
هذا يستدعي من تيار الإصلاح الفتحاوي تركيز جهوده في مراكمة الدعم و التأييد الجماهيري و البناء على ما تحقق خلال المرحلة الماضية و ترتيب صفوفه على هذا النحو الإسترتيجي ، وتحشيد كل الإمكانيات اللازمة لإنجازه ، علما بأن الرئيس عباس و حكومته و أجهزته الأمنية لن تدخر جهدا في بذل كل ما تستطيع في إطار التوجه المركزي لها بمحاربة التيار حتى بعد المصالحة ، و العمل على تقليص نفوذه التنظيمي و الجماهيري بالترهيب و الترغيب ، إلا أن تراكمات العشرية السوداء لن تساعده في تحقيق هذا الغرض حيث أن جملة المصائب و الكوارث التي خلفتها سياساته الإنتقامية و العنصرية ضد الغزيين ليس من السهل نسيانها أو تجاوزها مهما قدمت حكومة الحمد الله من معالجات و حلول جميعها لن ترقى إلى مستوى المعاناة التي يتحملها المواطن كما هو متوقع ، إذ أن غزة المهمشة و المهشمة تحتاج سنوات لإستعادة عافيتها و توازنها ، و لن تقبل بالحقن المخدرة وتنقيط قطرات من الماء في أفواه تضج من العطش و القهر و الظلم و الحصار ، و الأهم من ذلك كله أن التيار حاليا يمتلك القوة الفاعلة لمواجهة كل أشكال الإستهداف المتوقعة ضده بخيارات مفتوحة يحسب حسابها .
غير أن النظرة الإستراتيجية لتيار الإصلاح الفتحاوي تستند إلى التطلع الدائم من أجل تحقيق الوحدة الفتحاوية لاحقا سواء تحت قبة البرلمان وفق ما تفرزه معادلات القوة الجديدة ، أو من خلال السعي إلى توافق بهذا الخصوص على صعيد الحركة من المستبعد أن يتم في ظل وجود الرئيس أبو مازن الذي يصر على السباحة ضد التيار بلا أفق ، خاصة و أن نتائج الإنتخابات التشريعية القادمة التي تحظى بالأولوية و الأهمية التاريخية تشكل الإختبار الأقرب لموازين القوى على الساحة الفلسطينية حيث سيتم إعتمادها و البناء عليها في إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني بالكامل في السلطة الفلسطينية و المؤسسات القيادية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية للمرحلة القادمة .
من هنا فإن المواقف الإقليمية قد تلعب دورا مؤجلا في الضغط على طرفي الخلاف الفتحاوي لتسوية الأوضاع الداخلية للحركة ، فإذا كان مشروع الرباعية العربية الذي طرح سابقا و رفض التجاوب معه عباس في حينه ينص على البدء في ترتيب الأوضاع الداخلية لحركة فتح و المدخل لذلك تحقيق مصالحة ناجزة بين النائب محمد دحلان والرئيس عباس ، ومن ثم الإنتقال إلى إنجاز المصالحة الوطنية الشاملة ، تمهيدا للدخول في عملية تفاوضية مع إسرائيل تؤدي إلى تسوية القضية الفلسطينية بدعم عربي و إقليمي و رعاية دولية ، تأتي التطورات الأخيرة التي قادت إلى الشروع في إتمام المصالحة الوطنية بين السلطة الفلسطينية و حركة حماس التي باتت في موقع من ينتظر حصاد مكاسب التحولات الداخلية و الخارجية بالإضافة إلى ترسيخ شرعنة ما حققته و فرضته من وقائع على الأرض خلال السنوات العشر الماضية ، وفي ذات الوقت لا تغيب أهمية إجراء المصالحة الفتحاوية الداخلية بما لها من إنعكاسات إستراتيجية على الساحة الفلسطينية و مستقبل القضية الوطنية ، لذلك من المتوقع أن تبذل مراكز القرار الإقليمي جهودا حثيثة بهذا الإتجاه لاحقا ، و قد يكون ذلك قبيل خوض معركة الإنتخابات التشريعية بهدف الحفاظ على إستمرار فتح في صدارة المشهد الفلسطيني ، دون ضمان لنتائج تلك الجهود إذا ما تمسك الرئيس عباس بموقفه برفض المصالحة و عدم إدراك مخاطر إستمرار الإنقسام الفتحاوي الداخلي كما حدث في المرات السابقة.