تاريخ النشر: 2023-04-08 | 07:01
تاريخ النشر: 2023-04-08 | 07:01
عامان من العمل الدءوب قامت به الدولة الوليدة في المدينة تعقد تحالفاتها مع قبائل مشركة وتنشر أفكارها ورسالتها في كل مكان تصل إليه فتكسب الأنصار والمؤيدين.. وترسل للعالمين رسلها وترسي قيمها ومبادئها على ارض الواقع ليصبح مجتمعها هو الأنقى والأقوى والأرحب على المستوى الإنساني مستفيدة من أحد بنود اتفاقية الصلح بخصوص الهدنة والسلام..
أما قادة قريش فقد تجاوزوا ما عاهدوا عليه في الحديبية فخرقوا العهد.. وعبثوا بالمواثيق فكانت اللحظة المناسبة لتحلل المسلمين من الاتفاق جملة والتحرك بقوة وبسرعة لحسم الجولة ودخول المنهكة والمشلولة التي فقدت القدرة على المبادرة تجاه الفئة المؤمنة..
بعد صلح الحديبية بعامين وفي شهر رمضان الثامنة للهجرة جاء الفتح المبين لينهي وللأبد الحالة الشاذة التي أريدت لبيت الله الحرام وينهي الدخيل عليه من أصنام ولتدخل قريش وقبائل العرب في النظام الجديد جملة و يتعزز المسلمون بقوة المكان الإستراتيجية لدعوتهم و تلتحم قريش بالمدينة أخوة ومودة.. ولتنطلق الرسالة بعد ذلك لمهمات إقليمية لا تقل خطورة وأهمية لأنها ستؤمن الرسالة وموقعها والمؤمنين بها.
إستراتيجية الرسول في فتح مكة:
كان الحدث كبيرا على مستوى المسيرة الإسلامية فهو أنهى الصراع تماما مع قريش التي دخلت بكليتها في الإسلام وكان لها بعد ذلك دور مركزي في قيادة المسيرة..أي رسول هذا وأي رسالة وأي جيش .. انه الامتحان الأصعب والإجابة الأنبل.. جيش يجهز بالعدة والعدد لكن أيضا بالرحمة والعفو..فالمهمة ليست معاقبة الناس ولا محاسبتهم إنما الرحمة بهم ونقلهم إلى السعادة والحرية.
حركة محسوبة نحو فتح مكة التي طرد كبراؤها المسلمين وشردوهم ونهبوهم وقتلوا منهم وترصدوا لهم كل مرصد.. فتح مكة والذي لم يخرق عهدا ولم يتجاوز عرفا بل دخل في التاريخ البشري كأرقى سلوك إنساني.. انها تجليات عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم وشخصيته الإنسانية الفذة ورؤيته بعيدة المدى.. انه بداية مرحلة جديدة كبيرة نحو كل جزيرة العرب.. ليستأنف الصحابة المسيرة لتحرير العباد والبلاد من جور الطواغيت.
لقد حقق الرسول من صلح الحديبية أهم أهدافه حيث وفر السلام والأمن لحركة الرسل والسرايا تدعو القبائل الى الإسلام ومن لا يستجيب يدعى الى حلف مع المسلمين مع بقائه على ما هو عليه من عقائد..وحقق بذلك تكسير الطوق الذي كانت قريش تحاصر به دولة المسلمين..
لقد كان للوثائق أهمية قصوى لدي الرسول صلى الله عليه وسلم واتسمت حركته منذ البداية بأهمية المواثيق في حياة المجتمعات البشرية ففضلا عن قيمة الكلمة في عرف العربي الا ان الاسلام ارتقى بهذا المعنى الى فعل حضاري..
التزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنود الاتفاق بدقة ولم يؤول ولم يلو أي بند مهما كان ظاهره يشي بالقسوة .. سلم كل من هاجر اليه بعد التوقيع الى قريش ان طلبته، وكان ذلك مؤلما لمشاعر المسلمين الا ان هذا ترك أمام المسلمين غير المعروفين في قريش سبيلا غير الهجرة فاتجهوا بعيدا عن بنود الاتفاق ليصنعوا واقعا يهز العقل والاستقرار التجاري القرشي فاضطرت قريش ان تعود للرسول صلى الله عليه وسلم لتعديل الاتفاقية بقبولها ان يلتحق من شاء من اهل قريش بالمدينة دون مطالبة بعودته الى قريش وبهذا سقط اكثر البنود اثارة.. وهكذا بدأت البنود تتهاوى واحد تلو الآخر لصالح جماعة المسلمين، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مدركا أن تلك البنود هي مقتل قيادة قريش التي تتحرك بنزعات نفسية ودونما فحص لحقيقة تطور الوقائع التي تشير بجلاء لتقدم محمد وصحابته وتمددهم في الجزيرة..
وفي سقطة نهائية تورطت قيادة قريش بدعم قبيلة بنو بكر الحليفة لها ضد قبيلة خزاعة حليفة المدينة المنورة فاستنجدت خزاعة بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي اعتبر ان قريش خرقت الاتفاق وهذا يعني أنه لم يعد ملزما بما جاء في الاتفاقية من هدنة وصلح..
وهنا ملاحظة مهمة للغاية كيف يهب رسول الله للنفير العام نصرة لقبيلة مشركة ويعلن عن عمل كبير بحجم فتح مكة فيما هو نفسه سكت عن مقتل ياسر وسمية، وهو نفسه بالامس سكت عن تسليم أصحابه من المسلمين المؤمنين به الى قريش ليقتلوا ويصلبوا..
إدراك هذه الملاحظة يكشف عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل حسب المراحل والمعطيات وتطور المسيرة، لقد كان تصرفه في مرحلة الاستضعاف حيال استشهاد ياسر وسمية سنة ثابتة صحيحة وكان موقفه في الحديبية سنة ثابتة في ظرفها حيث الشروط الموضوعية والذاتية وكذلك فان موقفه من التعامل الحازم الصارم نصرة لخزاعة سنة أكيدة ثابتة وهكذا نجد اختلاف السنة من حال الى حال ومن شروط الى أخرى الأمر الذي يجعل السنة واجبة في موقع ما يجعلها غير ذلك في موقع آخر.. وهذا يحتاج الى تفصيل وتقعيد أصولي لكي يتم تناول الإسلام من الناحية العملية حسب سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.
صحيح أن هناك رغبة وإرادة كاملة منذ البداية لتحرير مكة من الأصنام واستعادة البيت العتيق الى حياض الإسلام لكن ما كان ذلك ليتم قبل سنتين او سنة بل قبل ان تنكث قريش بما عاهدت عليه.. انها اللحظة غير المفتعلة بل الناضجة وكان يمكن لقريش ان تمارس اسوأ من ذلك بكثير قبل 3 سنوات ولن يفعل حينها المسلمون ما يفسر بحرب ضد قريش لان الظروف لم تنضج حينئذ..
فإستراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم في مسيرته هي الانتقال من مرحلة الى أخرى أكثر تطورا وقوة تزداد فيها الشروط والمطالب والخطوات ثباتا ولا تراجع أبدا وكانت المسيرة في خط تصاعدي لا تعرف التذبذب أو الاهتزاز لأنه لا يتحرك إلا وقد أنجز لها ما يحميها فان اتخذ موقفا فلا تراجع عنه أبدا.. هذه السمة أصيلة في إستراتيجيته صلى الله عليه وسلم.. لم تشهد مسيرته أي اضطراب او تراجع أبدا ولكنها أيضا لم تشهد أي موقف فوق الطاقة والقدرة فخطوته ليست في الفراغ انما على ارض صلبة من الانجازات ويكون الدفاع عنها بكل طاقة وإيمان..
ان استعادة مكة وبيتها العتيق هدف أساسي للمسيرة الإسلامية فلا معنى للرسالة بدون مكانها المقدس الكعبة والتي تمثل الجوهر المغناطيسي لجغرافيا الرسالة، ولكن استعادتها لابد ان يتم إنضاجها بعمق وهذا كان فعله صلى الله عليه وسلم فلقد ارهق قيادة قريش بدأبه ومواصلته الدعوة والجهاد واقامة الحياة الكريمة في المدينة كما أرهق قوتها ولم يعد لمنطقها أي مبرر في التصدي لدعوته.. حتى جاءت اللحظة الناضجة المعبرة عن قدرته صلى الله عليه وسلم بالحشد الاكبر في الجزيرة فيما قريش قد افلست من ارادة المقاومة ومبرراتها.
ثم كان لابد من اشعار قريش أن الامر حقيقي وكبير فحشد رسول الله صلى الله عليه وسلم مايقارب 12 الف جنديا في أعظم حشد عربي في جزيرة العرب واحاط بمكة من اعلاها واسفلها وواديها واشعل المسلمون النيران في دائرة تحيط بمكة فكان ليل مكة مضيئا بعزيمة رجال صمموا على الدخول فكان هذا كله مقنعا تماما للطغاة والقساة أن لا أمل في تصديهم لزحف الرسالة.. وهكذا اسقط في يدهم ولم يعد بامكانهم الا البحث عن الامان.
الأخلاق والقيم جزء من الإستراتيجية:
لم تكن الأخلاق سلوكا فرديا بل منهجا أصيلا في مسيرة الإسلام وهي تعني بكل بساطة عدم التقيد بالمواقف المسبقة بل الانحياز الى كرامة الإنسان وحريته وحقه في الحياة بعزة وسلام.. وهنا لابد من الإشارة إلى عدة مواقف في هذا الفتح الكبير
الموقف الأول: وقوف الرسول على قبر أمه وهو في الطريق من المدينة الى مكة، ان قائدا لأكبر جيش في أخطر مهمة مصيرية لا ينسى مشاعره الأصيلة إنما هو قائد إنسان بكامل تجلياته.. يتنحى الى حيث قبر أمه فيبكي ويبكي وينحب الى درجة ظن بعض أصحابه انه مفارق، ثم يعود يقود الركب الى مكة.
الموقف الثاني: دخوله مكة من أنحائها بأمر واضح: ان اليوم يوم المرحمة وانه يمنع إشهار السيف ودخول المهاجرين المطرودين الى بيوتهم وهم يعرفون من عذبهم وقسى عليهم وأرغمهم بالهجرة والمغادرة ونهب ثرواتهم ولكن رغم كل المشاعر التي يولدها إحساس الانتقام والثأر في ظل الانتصار فلقد كان الأمر واضحا ان اليوم يوم المرحمة.
الموقف الثالث: عندما اصدر قراره ان من يلوذ بالمسجد فهو آمن ومن يلوذ ببيته فهو آمن ومن يدخل بيت ابي سفيان فهو آمن، وهنا يدعوهم الى سلوك مؤقت لكي يتجنبوا أي شبهة اشتباك مع جيش الفتح ولكي يظل الفتح نظيفا من الضغائن والأحقاد.. وبعد أن حطم المسلمون الأصنام في الكعبة وحواليها وتطهرت من الهوى والضلال اجتمع القرشيون الى رسول الله يجيبون على سؤاله المنطقي ماذا ترون اني فاعل بكم؟ يجيبونه بما عرفوه عنه خلال رحلته الطويلة بينهم ولما سمعوه عنه في المدينة: أخ كريم ابن أخ كريم.. هنا يأتي الرد النبوي بأخلاق النبي الخالي من المشاعر البشرية الانتقامية: اذهبوا انتم الطلقاء لا تتريب عليكم.
الموقف الرابع: انه صلى الله عليه وسلم بعد أن أخذ البيعة في مكة ورتب أمورها الإدارية وأقام عليها رجلا منها يدير شؤونها أعلن موقفه بوضوح انه مسافر وان صلاته في مكة صلاة مسافر وانه عائد الى المدينة وفاء لأهلها تاركا خلفه مكة بلده ومبتعدا عن الكعبة .. انحاز رسول الله الى القوم الذين نصروه وأيدوه وآووه فكان مثالا للوفاء.
عام الوفود:
بعد ان فتحت مكة ودمرت أصنامها ودخل أهلها جملة في الإسلام وأصبحت مكة والمدينة قلب الدعوة ومركزها جاء عام الوفود لكثرة ما توافد على الرسول من وفود من شتى الأماكن تبايعه وتدخل الإسلام يزيد عددها عن السبعين وفدا من أنحاء بلاد العرب..
في هذه الأثناء كان رسول الله يوجه الى اكبر حشد إسلامي من كل من يرمن بالإسلام للذهاب الى تبوك حيث التماس مع الإمبراطورية الرومانية في تأكيد لمن بعده ضرورة تحرير المنطقة من سطوة الطاغوت.. وهكذا بدأت عقول المسلمين تتوسع لمهمات إقليمية جديدة تحمل الإسلام لمعنى الهجوم وليس الدفاع فلقد انتهى جهاد الدفع بفتح مكة والآن هو جهاد الطلب فلا ينبغي إعلان جهاد الطلب في وقت الاستضعاف ولا يجوز سلوك الجهاد داخل البلد مهما كانت الأسباب لان ذلك فتنة وشر مستطير ينتهي حتما بالتشتت والخسران.. ولكن بعد ان تصبح دولة كبيرة قادرة أن تتقدم بمبادرات لحماية الناس وحماية حرياتهم وذلك في ظل حسابات و دراسات واقعية منطقية يكون لا بد من التحرك، وهنا نحتاج مجددا لتدبر سنة الرسول في المواقف المختلفة المتطورة.