الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

فتح والعشيرة - بين التضامن والصراع

فتح والعشيرة - بين التضامن والصراع

تاريخ النشر: 2016-08-11 | 07:49

تمهيد :

لا يمكن فهم مجمل الظواهر و العمليات السياسية والاجتماعية في المنطقة العربية و ما جاورها من دول المشرق إلا بدراسة هذه الظواهر والعمليات في ضوء مفهوم " العشيرة " بما يحمل هذا المفهوم من مضامين و يوضح طبيعة هذه العلاقات وميكانزمات التضامن والصراع التي تفرضها داخل المجتمع بداية من أصغر وحدة بنائية فيه وهي الأسرة وصولاً لأعلى وحدة بنائية وهي الدولة ، في ضوء منظومة قيمية وأخلاقية ومنتوج ثقافي نشأ في هذا المجتمعات عبر تجربة تاريخية إنسانية صاغت هذه المنظومة في ضوء مفهوم "العشيرة " .

وقد قدم العلامة الكبير "ابن خلدون" تصور رائع ووصف دقيق يقدم إطار نظري لدراسة الظواهر السياسية والاجتماعية في ظل هذا المفهوم ، بل خلص إلى مجموعة قوانين تكاد تكون من الاستقرار بحيث قدمت تفسيرات سسيولوجية للظواهر الاجتماعية في المنطقة العربية في الماضي وهي قادرة على تقديم هذه التفسيرات في الحاضر

وتعتبر حركة "فتح" إحدى الظواهر السياسية والاجتماعية البارزة ليست على المستوى الوطني الفلسطيني فحسب بل وعلى مستوى المنطقة والعالم أجمع ، وهي حالة ليست آنية أو لحظية بل حالة تمتد في التاريخ وصولاً للحظات الأولى لانطلاقتها عام 1965م وما سبقها من أحداث شكلت الواقع الاجتماعي والوجداني والتاريخي والسياسي الفلسطيني بعد نكبة عام 1948م واغتصاب الصهاينة لفلسطين وتشريد أهلها.

وقياساً على ما قدمناه فإن الإنسان لن ينجح في فهم جزء كبير من العمليات السياسية المتعلقة بحركة فتح على المستوى الفلسطيني إلا بدراسة عميقة في ضوء مفهوم " العشيرة " للمكانيزمات الاجتماعية والسياسة التي تحكم علاقات التضامن والصراع بين أعضاء الحركة على مستوى التنظيم الداخلي أو على مستوى علاقة الجماهير بها اقترابا وابتعادا .

العشيرة جوهر الذات الفلسطينية السياسية المقاومة :

الشعب الفلسطيني حاله حال أشقائه من الشعوب العربية في المنطقة هو شعب ينتمي في جذوره التاريخية لأجداده من القبائل العربية التي استوطنت المنطقة العربية منذ آلاف السنين ، ويمتلك هذا الشعب نفس الموروث الثقافي والاجتماعي ويسوده نمط العلاقات السياسية القائمة على "العشيرة" بمدلولاتها الثقافية أو تمفصلاتها الاجتماعية والسياسة ، ونمط العلاقات الاجتماعية والسياسية الخاص بها.

ومنذ البدايات الأولى للأطماع الصهيونية في فلسطين كانت الهجمة الصهيونية ذات الأثر الاجتماعي المتراكم توجه الضربة تلو الضربة للذات الاجتماعية لهذا الشعب الذي واجهها بردات فعل مقاومة تستند في أساسها إلى العشيرة كمغذى قيمي لهذه المقاومة وكناظم لها على صعيد العلاقات السياسية والحشد والمؤازرة .

وبعد نكبة عام 1948م تعرضت هذه الذات إلى انتكاسة حادة وتدمير شامل أصاب كافة مكوناتها المادية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، حيث فقد الإنسان الفلسطيني الأرض بمدلولاتها المادية والمعنوية الكبيرة ، وتحطم بنيانه الاجتماعي مما أثر على الوعي والثقافة الفلسطينية التي تركزت على الرفض والتمرد على هذا الواقع من الشتات والتشرد واللجوء ، لأن هذا الواقع يتنافى والحالة الطبيعية للإنسان الفلسطيني المرتبط بأرضه و المترابط في جماعاته في نسيج اجتماعي متين كان يستند في أساسه على لوحة فسيفسائية رائعة للتمفصلات العشائرية في القرى والمدن والبادية ، بكل ما تحتوي هذه العلاقات من أشكال التضامن والصراع بينها مشكلة محصلة اجتماعية وسياسية كانت تعبر عن الإنسان الفلسطيني .

حركة فتح النسق السسيولوجي :

في ظل هذا المناخ الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي كان يعيشه الإنسان الفلسطيني انطلقت حركة فتح عام 1965م ، لتشكل إنطلاقة الثورة الفلسطنينية المعاصرة كتنظيم ثورى تحرري يعمل على تعبئة الجماهير كل الجماهير في معركة التحرير التي يخوضها بالجماهير ومعهم بكافة أشكال المقاومة وعلى رأسها الكفاح المسلح ، ولتحقيق ذلك قامت فتح ببناء تنظيم نخبوي من الطلائع الثورية من خيرة أبناء شعبنا بكافة فئاته و خلفياته الإجتماعية والثقافية وصهرتهم جميعاً في أطار تنظيم ثوري يوازن بشكل دقيق بين الديمقراطية والمركزية على صعيد التخطيط والقرارات او في الفرز التنظيمي وبناء الهياكل و تصعيد القيادات في كافة المستويات التنظيمية ، هذا الدائرة الخاصة للتنظيم لم تكن بعيدة عن الجماهير ففتح الفكرة والتنظيم والفعل الثورة إنطلقت من الجماهير في الوطن المحتل والشتات و تعمقت في جذوره كسمكة تعيش في البحر الذي تستمد منها حياتها وبقاءها .

هذه الجماهير التي كانت تسودها السمات السسيولوجية والسياسية التي ذكرناها وتأثير النكبة عليها .

وعلاقة فتح بالجماهير كان واضح بان "العشيرة " كمكون إجتماعي وثقافي في الذات الفلسطينية ساهمت في صياغة هذه العلاقة فحركة فتح قادتها الأوائل هم آباء "أبو عمار وأبو مازن وأبو جهاد وأبوإياد و أبويوسف النجار " و أعضاؤها هم "أخوة " فيما بينهم ، وجميعهم يرتدوا الكوفية الفلسطينية بكل ما ترمز له من معان ، يدافعون عن الأرض والعرض ويقاتلون المعتدي ويهبون بالفزعة ،،، وكل هذا وما غيره من الرموز والدلالات المتعلقة بحركة فتح كانت تقدم للفلسطيني نموذج عملي وثقافي ينسجم و ذاته الأصلية التي دمرها التشرد والضياع واللجوء ، فكانت فتح "العشيرة " ذلك النسق السوسيولوجي و السياسي الذي يجد الفلسطيني ذاته التي يبحث عنها.

وأثرت العشيرة إلى حد ما على حركة فتح على مستوى التنظيم الداخلي عبر ظهور تمفصلات سياسية تستند في تركيبتها إلى العصبية على أسس جهوية أو مناطقية أو قبلية أو حتى فئوية وذلك بحكم تجربتها التاريخية والاجتماعية وطبيعة مكونها الاجتماعي ..

وبالتالي فإننا كما أسلفنا لن نستطيع أن نفهم حركة " فتح " وعلاقة الجماهير بها إلا بالرجوع إلى التأصيل النظري للقوانين الاجتماعية الناظمة لهذا الشكل من الاجتماع الإنساني ، وبشكل أساسي ما قدمه العلامة "إبن خلدون" من تحليل و تفسير للظواهر المتعلقة بالعشيرة أو القبيلة وخصوصاً ظاهرة العصبية في ضوء متغير التهديد الخارجي للمستوى القرابي والعصبي بداية من الأسرة وانتهاء بالقبيلة " الدولة " ، وما لهذا المتغير"التهديد الخارجي" من أثر على علاقات التضامن والصراع داخل المستوى القرابي الواحد ، او المستويات العصبية الأخرى .

وبما يحمل هذا المتغير من تأثيرات متغيرة وغير ثابتة على تلك المستويات على أساس الإستجابة له والتي تتم بشكل عاطفي و إنفعالى ضمن منظور قيمي يصيغ ردات فعل الفرد والجماعة داخل المجتمع استنادا لهذا المتغير ،،فنجد أن التضامن والصراع بين تلك المستويات دائم التغيير في المضمون والاتجاه ، والمستويات ، مما يشكل فوضى أكان ذلك على صعيد التعبير عن التضامن و الاستجابة بالنصرة أو على صعيد التعبير عن الصراع بين تلك المستويات ، فما أن يكاد ذلك التهديد الخارجي أن يبتعد حتى تجد أن علاقات التضامن أخذت بالتلاشي وبدأت تظهر بينها علاقات الصراع ، ويستمر هذا الأمر حتى يظهر تهديد جديد وذلك دواليك .

وبعد حوالي أكثر نصف قرن من انطلاقة حركة فتح وعلى الرغم من مسيرتها السياسية الفكرية والثورية الغنية على صعيد التطوير التنظيمي الذاتي أو على صعيد بناء العلاقات مع الجماهير بشتى الأشكال التنظمية الجماهيري والشعبية إلا إنه لا يمكن تجاهل أهمية العشيرة في صياغة العلاقة بين الجماهير وحركة فتح بتلك القوانين الاجتماعية التي أسلفناها .

و لكن هذه الحالة من التناغم والإنسجام لا تخلو من حالات من التناقض بين فتح التنظيم والعشيرة والقبيلة على قاعدة المصالح وهو تناقض طبيعي نتج بتطوير فتح بشكل تدريجي لـ" سلطة وطنية " فلسطينية سبقت أوسلو حيث بنت حركة فتح الهياكل المؤسساتية الخدماتية والسلطوية الضرورية لتلبية حاجات الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الوطن المحتل على قاعدة " الشرعية الثورية " وبرزت هذه المسالة بشكل كبير في الإنتفاضة الأولى 1987م ، وهذا البناء السلطوي النظامي كان يصطدم في بعض الأحيان والعشيرة وتمفصلاتها في المجتمع الفلسطيني ، كما ولا يمكن تجاهل قضية مهمة بأن هناك قوى سياسية أخرى في الساحة الفلسطينية تتنافس مع فتح في ساحة الإستقطاب السياسي و إكتساب التأييد والمساندة من جماهير الشعب الفلسطيني بكافة تمفصلاتها القبلية والعشائرية أو غير ذلك .

تعتبر الإنتخابات أكانت تشريعية أو رئاسية أو للمجالس البلدية مساحة واسعة وهامة تبرز فيها العشيرة وتؤثر على العمليات السياسية وتوجهات الجماهير وهي مساحة كما أسلفنا فتح حاضرة فيها منذ بداية إنطلاقتها و هناك عناصر قوة وتحالف لها يجب تعزيزها وهناك عناصر تناقض معها يجب عدم تجاهلها و العمل على التخفيف منها وإحتواء أثرها .

هذا الأمر الذي يستدعي من حركة فتح التعامل الدقيق مع المكونات العشائرية والقبيلة في المجتمع الفلسطيني على أسس تلك القاعدة من التجربة التاريخية والتنظيمية لها والتي حددنا معالمها فيما سلف .

ما المطلوب فتحاوياً :

1- حركة فتح يجب ان لا تدخل مطلقاً في حالة صراع وتصادم مع العشيرة أو القبيلة في أي مستوى من المستويات في المجتمع الفلسطيني بل على العكس يجب أن تعمل على محاولة إستيعابها كقوى إجتماعية وسياسية كجزء من هياكلها التنظيمية و ضمن البرامج المتعلقة بالإنتخابات أو أي انشطة مختلفة ...

2- على النخب التنظيمية والفكرية والإعلامية في الحركة الإجتهاد لتقديم نموذج نظري ومعرفي إيجابي يقنع الجماهير ويؤثر على وعيها بغض النظر عن تمفصلاتها العشائرية والعصبية.

3-يجب الدخول في حالة حوار مع تلك القوى عبر النخب السياسية والثقافية فيها على قاعدة المصلحة المشتركة بين الجميع في سياق المصالح الوطنية العليا .

 

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط