تاريخ النشر: 2017-07-19 | 09:44
تاريخ النشر: 2017-07-19 | 09:44
أمد/ عمان - كتب حمادة فراعنة : تدفق المشاعر ، وتتلبد الكلمات ، وتزوغ مفاهيم المنطق أمام قوة الإندفاع ، وأمام صلابة الإختيار في المواجهة ، ونُبل الهدف ، وقدسية الموت ، تلك الصورة الإنطباعية التي ولدها شباب أم الفحم ، بإختيارهم ساحات الحرم القدسي الشريف لممارسة قناعاتهم ، وإيمانهم ، ووطنيتهم ، وفلسطينيتهم علناً بحد السكين التي وظفوها كأداة في رفض سائر مظاهر الإحتلال ، وجنوده ، ومستوطنيه ، وتفوقه ، وعنجهيته ، وغرابته على أرض ومكان وتاريخ أصروا أن يبقى إمتداداً لتراثهم ، وأنه لهم ، ولهم وحدهم ، كمكان لأداء فريضة الصلاة للمسلمين فقط كما هي الكنيسة للمسيحيين ، وكما هي الكنس لليهود ، وكما هي الخلوة للدروز .
محاولات تبديد المكان ، وإستبدال صورته ، وتضليل التعامل معه بإعتباره قاسماً مشتركاً للجميع ، لم يكن مطلوباً ولم يكن مقبولاً ولم يكن مرغوباً ، تلك هي الحصيلة التي جسدها أداء ومبادرة شباب أم الفحم يوم الجمعة 14/ تموز / 2017 ورسالتهم ، بعملهم غير المسبوق كفعل شجاع خلاق في مكان مقدس للمسلمين ، وللمسلمين فقط ، بدلالة ما أقرته اليونسكو ، وأفادت به أن الحرم القدسي الشريف بمساجده الثلاثة : الأقصى ، وقبة الصخرة ، والمرواني للمسلمين ، كان ولا يزال وسيبقى ، فهي أولى القبلتين قبل مكة ، وهي ثالث الحرمين ، مكة والمدينة والقدس ، ثالوث متماسك كما هي كنائس المسيحيين الثلاثة ، مترابطة متكاملة في المهد والقيامة والبشارة .
ما فعلوه شباب أم الفحم من عائلة جبارين ، أعاد المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي إلى حقيقته ، وعراه تماماً ، وكشف ما لا يرغب نتنياهو أن يراه أو يسمع به أو يقر بوجوده ، فالقراءة السياسية الحاذقة للفعل تدلل على مظهرين :
أولهما : أن شعب فلسطين مازال موجوداً حياً معطاء على أرض وطنه الذي لا وطن له سواه ، وأن عمليات التهجير والإقتلاع والإستئصال والتشريد لنصف الشعب العربي الفلسطيني في سنتي النكبة 1948 ، والنكسة 1967 ، لم تلغ البقاء والصمود والتشبث بالوطن كما هي الحياة ، فالمشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي قام على فلسفة " أرض بلا شعب " فحصل على الأرض ، كل الأرض وأحتلها وأقام مشروعه عليها ، ولكنه أصطدم مع الواقع القاسي بعد سبعين سنة أن شعب هذه الأرض مازال باقياً كما هي الأرض بلا تزويق وتطوير ومداهنة وتشويه ، لأن فيها كما يقول شاعرها الأكبر محمود درويش " ما يستحق الحياة " و " كان اسمها فلسطين ولا تزال " .
وثانيهما : أن هذا الشعب رغم الأدارة والتسلط والتكبر والتفوق والأسرلة والتهويد وتشويه المعالم والإفقار وتبديد الهوية ، مازال فلسطينياً عربياً مسلماً مسيحياً درزياً ، تتكامل مكوناته لتؤكد أنه شعب واحد متماسك ، حتى ولو تخلى عنه أغلبية الأشقاء ، وعجز عن دعمه الأصدقاء ، فالإرادة لديه مازالت هي الأقوى والأفعل والأثبت .
تلك هي الحصيلة التي أذهلت نتنياهو وبددت أوهامه أن إسرائيل إنتصرت على فلسطين ، وأن العرب لم يعد لهم وزناً ، وأن المسلمين لا قيمة لهم ، وأن قطاعاً من المسيحيين تصهينوا معهم ، وأن عدوهم إيران وليس إسرائيل ، وأن ما بطشت بهم داعش والقاعدة يفوق ما فعلته إسرائيل ، لذا فالإنتصار الإسرائيلي تحول إلى أبدي مستديم بفعل هذه الوقائع ، فجاءته " الفكرة بعد السكرة " أن شعب فلسطين حي وضرباته موجعة وأنه لا يستكين ، مهما علت مزامير يهوذا وتفوقت على قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية وتجمد تنفيذها .
عملية القدس في الرابع عشر من تموز تدلل على أن سياسات الإحتلال رغم فداحة ومرارة أفعالها ، مازال لها الفضل على الفلسطينيين ، فقد حفزتهم لإعادة التأكيد على ما يلي :
أولاً : أنهم شعب واحد سواء أبناء الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة ، مع أبناء الضفة والقدس والقطاع .
ثانياً : أن التدجين والتطبيع لتجربتي مناطق 48 ومناطق 67 فاشلة طالما لا تقوم على العدل والمساواة والشراكة وإحترام الأخر والإقرار بوجوده على أرضه .
ثالثاً : إن الحل الواقعي الذي لا فكاك منه ، إستحقاق مطلوب مهما جرى التهرب عنه ، وهو يسير بإتجاهين لا ثالث لهما : إما تقاسم الأرض بدولتين ، أو تقاسم السلطة بدولة واحدة ثنائية القومية ، متعددة الديانات ، تقوم على إفرازات نتائج صناديق الإقتراع .
رابعاً : إن الحروب البينية العربية وتدمير سوريا والعراق واليمن وليبيا ومن قبلهم الصومال وتمزيق السودان وإضعاف مصر ، وإن تركت أثارها السلبية المقيتة على الفلسطينيين ، فإنها لم تدفعهم بعد نحو الإستكانة والهزيمة والهروب من مواجهة الواقع ، واقع الإحتلال ، وقسوة إفرازاته وخيار مواجهته بكل السبل والأدوات المتاحة .
ففي الخمسينيات والستينيات حينما بادر ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف وسليم الزعنون وفاروق القدومي ومحمود عباس ، كانوا شحادين فقراء لا حول لهم ولا قوة ، ولكنهم بادروا حتى تحولوا إلى قادة لشعبهم يحسب لهم العالم حساباً ويقر لهم بما سلم به إسحق رابين في أوسلو ووقع عليه في ساحة الورود في البيت الأبيض ، بإعترافه المثلث : بالشعب الفلسطيني ، وبمنظمة التحرير ، وبحقوقهم السياسية على أرض وطنهم .
خامساً : إن الفعل الفلسطيني هو فعل من الذات والوعي والرغبة في الحياة ، وأن لا عدو للفلسطينيين سوى ذاك الذي يحتل أرضهم ، ويسرق حقوقهم ، وينتهك كرامتهم ، وأن لا خيار لهم وأمامهم سوى الصمود والمقاومة ، وثمة خبرات أمامهم علّمتهم ، تتمثل بما يلي :
الخبرة الأولى هي حصيلة تجربتين هما :
1 – نتائج الإنتفاضة المدنية الشعبية عام 1987 ، إنتفاضة الحجارة التي أعطت نتائج بالإقرار الإسرائيلي الأميركي بجزء من حقوق الشعب الفلسطيني ، والتي فرضت الإنسحاب الإسرائيلي التدريجي متعدد المراحل من فلسطين بدءاً من غزة وأريحا أولاً ، وعودة الرئيس الراحل ياسر عرفات ومعه أكثر من ثلاثمائة الف فلسطيني ، عادوا إلى وطنهم ، وولادة السلطة الوطنية ، كمقدمة لقيام الدولة المنشودة على أرض فلسطين .
2 – نتائج الإنتفاضة شبه المسلحة عام 2000 ، والتي أرغمت شارون على ترك قطاع غزة والرحيل عنها عام 2005 ، بعد أن فكفك المستوطنات ، وأزال قواعد جيش الإحتلال ، عن كامل قطاع غزة .
أما الخبرة الثانية فهي حصيلة خيار المفاوضات من خلال أربع محطات تفاوضية برعاية الولايات المتحدة ، وكانت كما يلي :
1 – مفاوضات كامب ديفيد في تموز عام 2000 ، بين أبو عمار ويهود براك برعاية كلينتون وفشلت بسبب تمسك أبو عمار بقضيتي القدس واللاجئين .
2 – مفاوضات أنابوليس بين محمود عباس ويهود أولمرت في نهاية عام 2007 ، وفشلت رغم كل مساومات وواقعية وضعف أبو مازن .
3 – مفاوضات واشنطن وما تلاها خلال ولاية أوباما الأولى 2009 – 2012 ، برعاية السيناتور الأميركي جورج ميتشيل ، وفشلت لأن نتنياهو ليس لدية الرغبة في إعطاء الفلسطينيين جزءاً من حقوقهم على أرض " إسرائيل " ، فالحل الليكودي للقضية الفلسطينية خارج الضفة الفلسطينية .
4 – مفاوضات مماثلة خلال ولاية أوباما الثانية 2013 حتى نيسان 2014 ، برعاية وزير الخارجية جون كيري وفشلت لنفس الأسباب .
5 – والأن في عهد ترامب اليميني الذي فرض في مؤتمرات الرياض الثلاثة 20 و 21 و 22 أيار 2017 ، أن عدو العرب والمسلمين هو إرهاب داعش والقاعدة وحماس وحزب الله و2- إيران ، وليس العدو الوطني والقومي والديني : المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي الذي يحتل أراضي ثلاثة بلدان عربية ، وأن من سيقود المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية من الجانب الأميركي ثلاثة من قيادات حملة ترامب الإنتخابية ، هم من اليهود الصهاينة المتعصبين وهم : جيرارد كوشنر زوج إبنته ، وجيسين جرينبلات مسؤول المفاوضات ، وفريدمان سفيره المعين في تل أبيب .
سادساً : أن الفلسطينيين مازال لهم أشقاء يقفون إلى جانبهم في طليعتهم الأردن ومصر ، وأصدقاء عبرت عنهم مندوبة كوبا في اليونسكو حينما ردت على المندوب الإسرائيلي بعد أن طالب بالوقوف دقيقة صمت على أرواح ضحايا المحرقة النازية ضد اليهود ، وإستجاب رئيس الجلسة والحضور لذلك ، فكان رد الكوبية أن صاحب القرار بالوقوف هو رئيس الجلسة وليس المندوب الإسرائيلي ، ولذلك وطالما سمح له بذلك وتجاوب معه ، فهي تطالب أيضاً بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الفلسطينيين ضحايا الإحتلال والقتل الإسرائيلي ، فإستجاب الحضور ليقظة السفيرة الكوبية التي دللت أنها مع فلسطين والعرب والمسلمين والمسيحيين ، لأن قضيتهم عادلة ونضالهم مشروع ، ويستحقون التضامن والتذكير والإحترام ، وعلينا التأكيد والتذكر بقرارات المؤسسات الدولية الثلاثة وهي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/2012 ، بالإعتراف بالدولة الفلسطينية والتي حصلت على 138 دولة ضد 9 دول فقط ، وقرارات اليونسكو المتتالية التي إعتبرت الحرم القدسي الشريف للمسلمين فقط ، وأخيراً قرار مجلس الأمن 2334 الصادر يوم 23/12/2016 ، ضد الإستيطان والمستوطنين بالإجماع من قبل 14 دولة وإمتناع الولايات المتحدة عن التصويت ، هذه جميعها وغيرها يدلل على مدى عدالة القضية الفلسطينية وعلى مدى إنحياز المجتمع الدولي لشرعية المطالب والحقوق الفلسطينية .
عملية الأقصى ليست البداية ولن تكون النهاية ، ولكنها وقفة أمام الحدث ، ومحطة على الطريق الطويل الصعب ، وتدلل بالنتيجة على أن شعب فلسطين مازال ممسكاً بقضيته وحريته وإنسانيته وحقه في البقاء من أجل نيل حقوقه الثلاثة ، التي لا تحتمل التبديد أو التلاشي أو المساومة وهي :
1 – حقه في المساواة في مناطق 48 .
2 – حقه في الإستقلال في مناطق 67 .
3 – حق اللاجئين في العودة إلى اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا وصفد وبئر السبع ، وإستعادة ممتلكاتهم فيها ومنها وعليها ، وبغير ذلك ، فهو عبث وفوضى وظلم لن يصمد أمام عظمة شعب فلسطين وتضحياته ، ورسالة أم الفحم واضحة ، صارخة ، قوية ، ستكون فاعلة وكما فعل قادة الثورة من خارج فلسطين ، أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد ، في الخمسينيات والستينيات سيفعلها أبناء الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة جنباً إلى جنب مع أبناء القدس والضفة والقطاع ، الذي لا خيار لهم سوى مواجهة الوحش المتفوق والإنتصار عليه .