تاريخ النشر: 2021-03-25 | 05:53
تاريخ النشر: 2021-03-25 | 05:53
يُفترض، أو كما "تربينا" صغارا، بأن فرنسا هي بلد الحريّة والديمقراطيّة، بلد الثورة الفرنسية التي أرست مبادئ العدالة والمساواة، بلد الجمال والعطور، بلد برج إيفل، بلد السياحة الأول في العالم تليها إسبانيا.
هذه "شذرات" من وجه فرنسا الجميل.
لكن يبدو أن الوجه الآخر القبيح للإستعمار الفرنسي يعود بتجلّيات مُتعدّدة ومُضطردة و"غريبة عجيبة"!!!
الحكومة الفرنسيّة تسنّ قانونا تحظر بموجبه، ابتداء من مطلع تموز القادم، على الجالية المسلمة في فرنسا من ممارسة واحدة من لُبّ شعائرها وطُقوسها الدينية المُتواثة منذ أكثر من 1440 عاما، ألا وهي "الذبح الحلال"؟؟!!
طبعا هذا الإجراء لا يُمكن أن يُفهم إلا ضمن الإجراءات التضييقيّة والعقابية التي تُمارسها السلطات الفرنسية وعلى رأسها الرئيس ماكرون، ضد الجالية المسلمة الكبيرة في البلاد والتي ينوف تعدادها على ستة ملايين نسمة.
جدير بالذكر أن الدين الإسلامي في فرنسا هو الدين الثاني في الدولة بعد الديانة المسيحيّة.
فلماذا إذا هذا العداء "المجّاني" لستة ملايين مسلم من مواطني الدولة الفرنسية من الممكن أن يصطفّ وراءهم مليار ونصف المليار مسلم من المسلمين المتواجدين في مشارق ومغارب الكرة الأرضيّة؟؟!!
دون شكّ أن هذا الأمر "الغريب" لم يأت من فراغ ولم يأت إعتباطا وإنّما ربما تتويجا لسلسلة مُترابطة ومُضطردة من الإجراءات الفرنسية، في زمن الرئيس ماكرون، حيث سبق ذلك تفوّهات عنصرية من فم ماكرون ذاته ضد الإسلام، ورسوم جريدة "شارلي إيبدو" المسيئة للنبي محمد (ص) يتمّ نشرها للمرّة الثانية بعد كل ما جرى في المرّة الأولى.
كما سبق ذلك أيضا إجراءات عشوائية بغلق مساجد ودور عبادة للمسلمين، وغارات أمنية غير مُبررة ضد المسلمين في مساجدهم وبيوتهم ومحلّاتهم التجارية، حيث ان نظرية الأمن الفرنسي في هذا الصدد تقضي بأن "المسلم مُدان حتى تثبت براءته"، بعكس القاعدة القانونية التي تقول "بأن المُتّهم بريء حتى تثبت إدانته".
إذن هل هي خطوة فرنسية "خبيثة" لدفع المسلمين الفرنسيين أمام الحائط ودفعهم أو دفع البعض منهم إلى ردّات أفعال "مجنونة" توتّر الأجواء مع المجتمع الفرنسي ومع الدولة الفرنسية، و"خلق" مزيد من الدلائل لوسم الجالية المسلمة في البلاد بالتطرّف والإرهاب وعدم مقدرتها الإنسجام مع مكوّنات وطبقات المُجتمع!!!
جدير بالذكر أيضا، ويا للعجب، أن الحكومة الفرنسية لم تقدم يوما على مثل هذه الإجراءات العقابية ضد الجالية اليهودية في البلاد التي تُمارس شعائرها بالذبح الحلال "كوشير" بأريحيُة ودون أدنى إزعاجات.
ولمن لا يعرف الذبح الحلال الإسلامي وذبح الكوشير اليهودي نؤكّد بأن لا فرق بين "الذبحين" أو ربما أن هناك فروقا لا تُذكر لكن المهم أن "الذبحين" يقومان على نفس المبدأ.
فلماذا يُحرم المسلمين في فرنسا من ممارسة شعيرتهم الطبيعية في الذبح الحلال بينما لا يُرفع اصبع واحد أمام أو ضد الذبح الكوشير في فرنسا العتيدة؟؟؟!!!
هل تخشى فرنسا من إتخاذ إجراءات مماثلة، لتشابه الحالتين، ضد الذبح الكوشير، من ردة فعل اليهود وإسرائيل والصهيونية العالمية ووسمها مباشرة "بمعاداة الساميّة" أم أن السيد ماكرون نفسه في تكوينه العقائدي ووصوله المبكر إلى قصر الإليزيه ما هو إلا نتاج "خلطة" من الماسونيّة ومخلّفات الإستعمار الفرنسي البائد ومعاداة المسلمين؟؟؟!!!
فرنسا يا سادة يا كرام هي البلد الإستعماري الوحيد الفريد الذي يحتفظ، بكل فخر، حتى يومنا هذا، بمتحف للجماجم "Collection"، وخاصة جماجم الثوّار الجزائريين الذين أعدمتهم فرنسا إبّان حرب التحرير الجزائرية، قطعت رؤوسهم و"شحنتهم" لفرنسا و"دشّنت" بهم متحفا إسمه "متحف الجماجم".
جدير بالذكر أن الحكومة الفرنسية أعادت للحكومة الجزائرية ثمانية جماجم لثوّار جزائريين حيث تمّ دفنها في الجزائر، لتستريح أرواحهم، وحتى لا تبقى جماجمهم معروضة "للفرجة" في المتحف الباريسي.
الحكومة الفرنسيّة تتخذ هذه الخطوة غير البريئة ضد ملايين المسلمين من مواطنيها، وهي خطوة غير مدروسة وغير مُبرّرة وضارّة ولا تُفيد الحكومة ولا الدولة الفرنسيّة في شيء، فالذبح الإسلامي الحلال وكذلك الذبح اليهودي الكوشير من تجلّيات وطقوس وشعائر الديانة الإسلامية والديانة اليهودية، وعلى الحكومة الفرنسيّة إحترام شعائر الديانات على أراضيها.
كاتب ودبلوماسي فلسطيني