تاريخ النشر: 2015-08-31 | 16:29
تاريخ النشر: 2015-08-31 | 16:29
أمد/ القدس-أحمد البديري- قرر فؤاد النمر أن يهاجر إلى الغرب بعد ضياع وثيقة سفره الفلسطينية بعد شعوره بالذل والمهانة في أحد أقسام الشرطة اللبنانية. فؤاد محامي وعنده وظيفة محترمة بعكس معظم اللاجئين الفلسطينيين الذين انتقلوا من سوريا إلى لبنان. رغم ذلك قرر الهجرة لانه وجد الافق أمامه ضيق والمستقبل غير مضمون فقال نفسه "ما الفرق بين لاجىء فلسطيني في سوريا أو لبنان أو لاجىء في اوروبا".
إلى حلب
عاد إلى سوريا وودع الاهل والزوجة وانطلق إلى بداية رحلة مخيفة وغير مضمونة. انطلق إلى حلب المحطة الاولى في رحلة المخاطر فقال " في الطريق إلى حلب نظرت من شباك الحافلة، لا أعرف هذا، لم أرى إلا دمار، لا البيوت بيوت ولا الشوارع شوارعز آخر ما وقعت عليه عيناي في دمشق كانت مقلتا والدي، رافقتاني في كل الدرب، ذلك اﻷب الفلسطيني الذي طالما تمنى أن يدفن في القدس، في خربة العمور قريتنا التي نعرفها فقط من خلال الصور واﻷحلام".
شاهد فؤاد للمرة الاولى حلب المدمرة التي لم يدخلها إلا قبل الاحداث والحرب في سوريا فصعق مما رأى فكان مشهد المنازل المدمرة كانها أجسام ضخمة وإلقيت على الارض محطمة.
بداية الهروب
بدأت الرحلة مع أول حاجز لقوات الجيش السوري النظامي فروى فؤاد الاحداث " لم أشعر بكثير خوف، صعد أحدهم وكان قوي البنية، أصهب اللون، نظر للركاب وأخذ بعض الهويات للتدقيق والفحص لمن هم في عمر الخدمة العسكرية، كانت هويتي من بينهم، برهة وأعاد إلينا الهويات وطلب من أحد الركاب النزول وسأل السائق متابعة الطريق. كان رأسي خاليا من أية فكرة، شعرته باردا، نعم كان الدم يقف في مكانه لم أفكر في شي لا في الحياة ولا الموت ".
على الحاجز التالي صعد جندي والدموع تغمر عينيه المتعبتين، فسأله فؤاد عما يبكيه فرد الجندي " والدي سقطت عليه قذيفة ومات" فؤاد صعق من هول المشهد من نوافذ الحافلة ومن الخبر الذي سمعه لتو فقال " في تلك اللحظة شعرت أن الموت هو أمر يحدث بشكل عادي وكأنك تبتاع شيء من دكان، ماعاد للموت مهابة، وأضحت الروح بلا قيمة. أربع ساعات كانت تكفي للوصول لحلب ما قبل الثورة، الان انت تحتاج لضعف الوقت، لم يقتحم شرودي إلا بعض الرسائل التي تصلني عبر هاتفي المحمول من عائلتي لتطمئن علي ، كنت مدركا لحجم القلق الذي يعيشونه.
استراحة ورشوة
تابع فؤاد القصة " وصلنا لمكان بائس، توقفت الحافلة ونادى السائق استراحة لعشرين دقيقة، كان المكان قذرا، كان أشبه بحظيرة للبهائم، لم أستطع النظر للشطائر فكيف لي أن اتناولها. مضت الدقائق وعدنا للحافلة وتابعنا المسير، كانت حواجز التفتيش التابعة للنظام تغمر الطريق، لم يفتش أحد الحافلة، عند كل حاجز يتوجه مساعد السائق يتبادل بعض الكلمات مع أحد الجنود، يضع شيئا في يده ويبتسمان وتعود الحافلة للسير مجددا. دخلنا حلب من جهتها الشمالية ونحن صاعدون من جنوبها، لم تكن الطريق شاقة بقدر ما كانت مقلقة، ما الذي أرى، إنه حي صلاح الدين، نسبة لمحرر القدس، ما الذي أصاب الحي الذي أعرفه جيدا، كان الحي شامخا شموخ القائد الكبير الذي تكنى به، كان المشهد مروعا، كادت تخوني الدموع عندما رأيت الابنية المكسوة بحجر ورخام حلب الشهير يوما، مغتصبة ومرمية على طرف الطريق".
قرر فؤاد أن يبيت في حلب فذهب لبيت عمه وبعد أن صافح العائلة رأى العيون شاحبة شاخصة، والجميع خسروا من أوزانهم. بدأ عمه ومن دون سؤال يروي المأساة التي يعانونها , في حلب التي اشتهرت بأنها بلاد المحاشي والكباب.
الفاتحة على حلب
منذ عامين لا يعرفون الكهرباء ولا الماء، حولوا الثلاجة لخزانة في المطبخ، أعدوا طعام الغداء لزائرهم، والوليمة كانت خمس بيضات مقلية وقليلا من الجبن. أضاف فؤاد " أدركت حينها حجم المصيبة التي تعيشها عائلة عمي الذي كان يولم لنا ما لذ وطاب. خرجت لأتفقد المدينة، لم أرى شيء فكانت الشوارع معتمة كليل بهيم، استعنت بمصباح هاتفي المحمول لارى خطواتي، رافقني ابن عمي سألته، ما هذه الرائحة التي تزكم الانوف فأجابني ان أهل المدينة يحرقون كل شي ليحصلوا على الدفئ بعد انقطاع الوقود، تابعنا الخطى وقرأت الفاتحة لروح حلب، نظرت للسماء فلم أجد القمر، مات القمر ومات مجددا أبو فراس."
إلى المجهول
ترك فؤاد عائلة عمه واستقل الحافة وبعد ساعة من السير استوقفته نقطة تفتيش للجيش النظامي، فتح أحد الجنود باب الحافلة وقال " أنت وأنت وأنت تعالوا معي، كنت أولهم، قال لي أنت مطلوب للعسكرية قلت له أنا متزوج وفلسطيني، قال اذن عد مكانك، وأخذ مالا من احد الشابين وعدنا، وعند اخر نقطة تفتيش خاطب الجندي السائق بعد أن أخذ المعلوم وأخبره أنه سيلقى المعارضة على بعد ثلاثمئة متر.
ارتجف فؤاد " بدأ قلبي يخفق، فأنا متوجه لالقى اناس لم أشاهدهم إلا عبر الشاشات والصور، كانت الامتار الثلاثمئة بعيدة، وأخيرا ظهر ما كنت اشاهد، أناس بلباس يشابه لباس فيلم الرسالة، لكنه مرقط، كل شي مرقط. أحد الشيوخ (كما ينادون بعضهم) خاطبنا هويات ودفاتر الجندية يا شيوخ، بعد التدقيق أعاد كل شي لاصحابه، وسمعت صوتا من تحت حجاب يسألني لماذا انت هنا، فاجاب السائق الشيخ متوجه لتركيا، أصبحت شيخا، دعا لنا الله بالوصول سالمين وأكملنا" .
جبهة النصر ترحب بكم
في الحاجز الثاني كان الامر مختلفا ,ثلاثة فتية ملثمين ويرتدون لباسا عاديا اوقفوا الحافلة وطلبوا الهويات كما في كل الحواجز. يروي فؤاد " أعادوا الهويات إلا هويتي ونظر إليها ونظر إلي شعرت الثواني وكأنها دهر، سألني مباشرة، الاخ فلسطيني، أجبته نعم فلسطيني. صمت برهة محدقا عيناه الحادتين بي ثم قال، أهلا وسهلا باخواننا الفلسطينين. عبرنا الحواجز واحد تلو الاخر، وفي كل مرة كنت اشعر بانها اخر لحظات الحياة. رفعت رأسي قليلا والا بلافتة كبيرة تقول جبهة النصرة ترحب بكم". رأيت وجوه مختلفة الاعراق، رأيت رجال شقرا يميلون للحمرة ورايت وجوه تحمل ملامح الافغان وعربا.
تركيا في الوحل
يستطرد فؤاد " بعد مسير ست عشرة ساعة متواصلة وصلنا نقطة الحدود لم يسمح لي بالدخول لانني فلسطيني من سوريا وتركيا تمنع دخولنا بشكل شرعي لكنه مرحب بنا عندما ندخل خلسة، كان الامر محيرا لكن لا بأس فالمهم بالنسبة لي ان ادخل تركيا، تجمعنا بالعشرات في قرية ينتمي معظم اهلها للتركمان ، حانت لحظة الانطلاق ركضنا في الوحل كالهاربين من موت مفاجئ ركضنا وتقودنا مجموعة من المهربين، عندما استذكر ما حدث لا استطيع الا ان الضحك رغم صعوبة ما عانيناه، كان متوجبا علينا صعود تلة موحلة بشدة، كنا نغرز اقدامنا في الطين ونسحبها فنجد القدم بلا حذاء، فقد غاص في الطين".
كانت هذه اللحظات الاكثر درامية فمن جانب ضاع حذائه ومن جانب يركض للمجهول " منا من وجد حذائه ومنا من تابع تاركا حذائه خلفه، كنا نركض جمعيا فشعرت بأن القيامة قد حانت واننا متوجهون للصراط، كان المشهد محزنا وبائسا، فجاءة صاح احد المهربين ليجس الجميع فالجندرما التركي امامنا، كان جيدا ان استرحنا قليلا من الركض ".
نزل الجميع في خندق ليس بالعميق وبدأوا بمساعدة النسوة والكبار والاطفال على القفز من جانب لاخر و تأكدوا من عبور الجميع باستثناء عائلة فلسطينية قررت العودة لصعوبة ما لاقت في الطريق. يضيف فؤاد" بقي أمامي مئتي لم استطيع العدو متر واحدا اضافيا ومعي متاع ثقيل بعد أن نفد بخاخ الربو، سألت مهربا هل تساعدني لاقطع ما تبقى من الطريق، نظر الي وقال ثلاثون يورو فقلت عشرة قال اذن عشرون أعطيتها ايها وحمل عني متاعي وسابقنا الخطى وعندما وصلت للجانب التركي اي الجانب الذي لا يدركك فيه الجندرما مطالبا اياك بالعودة سقطت على الارض خائرا من الارهاق، وممتلئ بالسعادة. واخيرا الرحلة المخيفة انتهت وبدأ فصل جديد".
رحلة الموت
تركيا ذاك البلد الساحر الذي تحول لجنة في محيط ملتهب. فالخضرة تكسوا البلاد والعمران الجميل والابنية الضاربة في التاريخ كل شي يوحي بالجمال بالاضافة لمعاملة جيدة لكن للبلاد وجه اخر هو المهربون الجشعون الذين في اغلبهم سوريين وكرد وقلة فلسطينية، تجار البشر هؤلاء لا يعرفون لله عهدا ولا ميثاقا.
يضيف فؤاد " يطالعك مشهد البحر الساحر لكن ما أن تدخل قليلا حتى يتبدد المشهد ويتحول لكابوس، فكل ما حولك ماء وخوف ودموع، يعدك المهربون بسفن عملاقة فتجد عند الحقيقة خردة متأكلة. الوصول لليونان أمر ليس بالسهل اما لايطاليا فالامر مختلف تماما، هي رحلة من رحل الموت وقطعة من قطع العذاب. اما اوروبا فهي كما قال عنها الشيخ محمد عبدو رأيت اسلاما ولم ارى مسلمين".
التنقل في اوروبا
بعد أن وصل اليونان بآمان وبطريقة المهربين الصعبة من جانب والمحفوفة بالمخاطر من جانب آخر. هنا الرحلة أخذت منحى آخر, إلى أين الان لربما السويد أفضل لانه بعد ثلاث سنوات يحصل على الجنسية. بالفعل بدأت الرحلة عبر حافلات وقطارات بشكل متخفي أشبه بجاسوس يتنقل من محطة لاخرى والهدف السويد في أقصى شمال اوروبا وأبعدها عن الشرق الاوسط.
شاء القدر أن يُمسك فؤاد في الدنمارك المحطة قبل الاخيرة وتم وضعه في البداية في مركز توقيف خاص بالسوريين. عدة أشهر وهو منقطع عن العالم إلا أن جاء الخبر السعيد بأن عليه الانضمام لمدرسة لتعلم اللغة الدنماركية والعادات والتقاليد بل وحتى تاريخ الدنمارك.
انتقل فؤاد للعيش في شقة مع أربعة سوريين وللمرة الاولى يحصل على شهادة أو ورقة اثبات رسمية تحمل صورته واسمه. يظن فؤاد أنه بعد أقل من عام يستطيع بدء المعاملات لاستقبال زوجته الحبيبة التي يتحدث معها يوميا.