عمليا لم اعد اعرف ما هي فلسطين أين تقع ما أسمعه في وسائل الإعلام هو غزة والضفة، السلطة الوطنية وحماس... فصائل وأحزاب اجنحة عسكرية معروفة وأخرى مغمورة، ما أعرف أكثر هو أصدقائي من هناك من الضفة ومن غزة الذين أصبحوا في نظري هم فلسطين تجسدت وأصبح لها وجه بعدما ضلت طيلة عقود بالنسبة لي صوت ينبعث من راديو او صورة أطفال يركضون باتجاه دبابة دون خوف كنت أخاف الصور وعندما كبرت قليلا توقفت عن مشاهدتها كليا وفقدت فلسطين بريقها ابتعدت من خيالي واختفت كليا... لم اجدها إلا بعد زمن في ابتسامات أصدقائي وضحكاتهم وحبهم للحياة وإقبالهم عليها... عرفت فلسطين أخرى مقلبة على الحياة دون تردد وعاشقة للحب وباحثة عن الرقي دون خجل... كلامي العاطفي اتجاه أصدقائي لم يغطِ يوما على أسئلتي أو ملاحظاتي أو تفكيري في قضية مماثلة أصبحت مع الوقت أشعر أنني معنية بها تماما... معنية بها من أجل ثلاث نقاط: بحث عن الفهم، إعادة تركيب صورة، وتفكير في الآني في علاقته بالمستقبلي
ما سأكتبه كلام من يقف بعيدا بمسافة كافية ليرى كل شيء على غير حجمه الحقيقي ولكن الواقف على تلك المسافة ليس بالضرورة مخطئ بل هو مصيب بنفس الدرجة التي قد يصيب بها الواقف على مسافة قريبة الفرق أن الاول يراها صغيرة اكثر مما يجب والثاني يراها أكبر مما يجب... أحب تريتيب الصورة كما أعرفها من خلال توثيقات التاريخ إن صدقت صعوبة الوضع في فلسطين اليوم وتعقيدات الإختيارات المتاحة أمام الشعب والسلطة السياسية ليست عبث وليست آنية هي تاريخ طويل حافل بالأخطاء الداخلية وبالأخطاء العربية... اخطاء ظل الشعب الفلسطيني وحده يدفع ثمنها كل مرة أكثر من التي سبقتها، بداية بحروب العرب مع اسرائيل وخياناتهم وتبنيه للقضية بدرجة وعي بلغت الصفر، لا داعي لأن اذكر أن كل تلك الحروب كانت خاسرة وأنها في كل مرة ادت إلى إتفاقيات عربية اسرائيلية على حساب الفلسطينيين ولم يفعل الفلسطنيون شيئا ليس ضعفا وإنما ثقة في الأشقاء الذين تاجروا كيفما شاءوا وحققوا سلاما داخليا وحدودا مأمنة على حساب شعب تركوه لقدره بعد حين...عهد انتهى وفلسطين خاسرة... حل زمن آخر وظهرت تحولات عميقة اجتماعية وسياسية في المنطقة العربية وانتهت الحروب العربية الاسرائيلية إلى الأبد بل تمكن العرب من غلق ملف فلسطين ونسوه وتجاهلوه تماما لا يذكرهم به إلا الفلسطينيون اللاجئون في الدول المحيطة والذين لم يعد مرغوب بهم لم تعد لهم نفس الحضوة ولا نفس الترحيب بل الغالب هو محاولة التخلص منهم بكل الطرق... الفلسطينيون ليسوا بريئين تماما من هذه الصورة القاسية التي بدأت تلاحقهم بل تدخلهم في شؤون سياسية معقدة في الدول المضيفة تسبب في ابادتهم كلما تعلق الامر بتصفية حساب بين الفرق والميليشيات لأنهم يختارون الوقوف مع طرف دو ن الآخر في حروب لا تعنيهم لا داعي للتذكير بـــ (أيلول الاسود، او حرب لبنان، أو حركات مسلحة داخل مخيمات اللاجئين كما حدث مع فتح الاسلام قبل فترة)... في دول عربية أخرى يمنعون من كل الحقوق البسيطة كالعمل والملكية، المواطنة والجنسية...نسي الفلسطينيون كل ذلك واتجهوا نحو المستقبل ليحققوا كرامة لم تعد متوفرة لهم إلا في اراضيهم انتفاضة اولى، سلطة وطنية على حدود مجبرين عليها، ملفات، صراعات داخلية خيانات واغتيالات، تشققات داخلية وانقسامات خطيرة انتقلت من السياسة إلى المجتمع وبدل أن تبقى السياسة بين الساسة أصبحت الآن في الشارع فرضا وقهرا كلما اختلف الساسة عاقب الأقدر الشعب بالأسوأ ولا خيار في ذلك للشعب بين خيانة داخلية أو عدوان خارجي... وقضايا لا تغلق... ليس هناك اسوأ من التاريخ الثقيل... تشتت الرؤية وضياع الخيط في كومة قش مختلطة الأطراف لم يعد الفلسطيني يحلم إلا بأساسيات الحياة ولا مشروع في الأفق...
يحلم الفلسطيني بماء نقي وخبز نظيف، وبحر وعطلة، يحلم بنور لا يجعل منه خفاشا ينام نهارا ويستيقظ ليلا، يحلم بسفر او بقدرة عليه، أن يشعر أنه غير سجين حتى وإن لم يخطر بباله ان يسافر يوما، يحلم أن يتوقف القصف وان يتفق الأطراف وتضخ الرواتب في البنوك وتعيش الناس ما تبقى لها من العمر بكرامة لا يهدرها أحد... المقاومة والشهادة والموت الجميل والاحتفال بعد كل موت ليست حقيقة في الشعب الفلسطيني لا أحد يفرح للموت وإن بلغ حدا من اليأس...المشكلة مرة اخرى ليست مشكلة فلسطينية بحتة إنها مشكلة عربية يدفع الفلسطنيون ثمنا لها، ربما يبدو الأمر غير معقول ولكنه واقعي جدا... العرب الممولون لا يرغبون بمجتمع ليبرالي في فلسطين الذي تمثله منظمة التحرير يرغبون ببديل مقابل الدفع لذلك لا يتدخلون السعودية لا يهمها إلا المد الوهابي والصراع مع قطر على الافضلية لمن للوهابية أو الاخوانية، اسرائيل تتسلى وترعب غزة ليس خوفا من حماس لكن لاسرائيل حسابات داخلية ترغب بتصفيتها لا تهمها غزة ولا الصواريخ التقليدية الآتية من غزة التي لا تصيب إلا الاماكن الخالية، ما يسمى مقاومة لا تستطيع أو ربما لا ترغب في اصابة أي هدف لأنها تعرف حدودها تماما وقدراتها على خوض حرب محتملة...
في الأخير الشعب في فلسطين هو الضحية الوحيدة وهو اسفنجة الخطيئة التي تمتص كل تدبير سياسي خارجي أو صراع محلي...وهو محل التجارة والمقايضة دائما...