اعتمدت سياسة الرئيس محمود عباس, تجاه إسرائيل على التحرك السلمي وعدم الخروج عنه من أجل عدم تسليط الأضواء عن السلبيات دون الإيجابيات, بهدف, تحقيق السلام الشامل على أساس القرارات 181 و194 التي انبثقت من الأمم المتحدة, بإنهاء الاحتلال الصهيوني وتحقيق حل الدولتين, بإقامة دولة فلسطينية بجانب دولة الاحتلال, على حدود 4 حزيران 1967, وعاصمتها القدس الشرقية وحق عودة اللاجئين.
في المقابل عرفت سياسة الاحتلال الإسرائيلية بالتعسفية الممنهجة على القمع والاعتقالات وتوسيع دائرة المستوطنات وخلق العقبات والعراقيل والمماطلة في المفاوضات لعدم الوصول لأية حلول بشأن الدولة الفلسطينية.
كانت تلك الممارسات الصهيونية دليل على عدم استجابة الصهاينة لأي حلول مقترحة بل أنها تفعل ما بوسعها من أجل استمرار الوضع على ما هو عليه لتمرير مخططاتها في القدس من حيث التقسيم وتوسيع استيطانها, كل ذلك أدى إلى تعطيل دوامة المفاوضات بسبب الممارسات الصهيونية المسبقة بالاستيطان, ورفض إسرائيل إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967, بل تسعى إسرائيل لاستمراره وتكريسه، وترفض قيام دولة فلسطينية، وترفض إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
فكان على الرئيس أبو مازن أن يتوجه إلى الأمم المتحدة لطرح القضية الفلسطينية مجدداً وبقوة أمام العالم في عام 2012, ذهب الرئيس محمود عباس ليطالب بعضوية كاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة حسب قرار 181 , لينهي هذا الاحتلال ولإحلال شرعية الاستقلال للدولة الفلسطينية, إلا أن ذلك لم يكلل بالنجاح بسبب استخدام الولايات المتحدة لحق النقض (الفيتو) ضد القرار الخاص بذلك في مجلس الأمن الدولي, وعليه تم التصويت على عضوية فلسطين كدولة مراقب غير عضو بموافقة 134 دولة واعتراض 9 دول وامتناع 41 دولة عن التصويت , كما حصلت فلسطين على العضوية الكاملة داخل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو), فضلاً عن ذلك أصبح لدولة فلسطين الحق في الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية لفضح ممارسات العدو الصهيوني وكشف جرائمه ضد أبناء الشعب الفلسطيني والنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وعمليات الإبادة .
وهذا ما طالب به الرئيس محمود عباس، بعد الحرب الاخيرة على قطاع غزة عام 2014, من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة , والذي قال: "باسم فلسطين وشعبها، أؤكد أننا لن ننسى ولن نغفر ولن ندع مجرمي الحرب يفلتون من العقاب, آن لهذا الاحتلال الاستيطاني أن ينتهي الآن هناك احتلال يجب أن ينتهي الآن وهناك شعب يجب أن يتحرر على الفور. لقد دقت ساعة استقلال دولة فلسطين".
كان لتلك الانجازات صدى على مستوى العالم باعتراف ثلثي دول العالم بدولة فلسطين, التي أضحت مؤشراً واضحاً على مدى تعاطف وتأييد العالم بأحقية قضيتنا الفلسطينية وأحقية قيام دولة مستقلة ذات سيادة, وخاصة أن الشعب الفلسطيني الوحيد في العالم مازال يرزح تحت الاحتلال الصهيوني.
مؤخراً وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية كبيرة على مشروع قرار قدمته السلطة الوطنية الفلسطينية يسمح برفع علم فلسطين على مقر المنظمة الدولية, الذي صوت عليه 119 من أصل 193,عضوا, حيث ينص القرار على رفع أعلام الدول التي لها صفة مراقب في غضون 20 يوما, ومن المتوقع أن يتم رفع العلم الفلسطيني على أسوار الأمم المتحدة يوم 30 سبتمبر الجاري وهو موعد الخطاب المهم الذي سيلقيه الرئيس محمود عباس, خلال الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة.
بعد عرض تلك الخطوات التي سجلها الرئيس محمود عباس, فالشعب الفلسطيني اليوم ينتظر الخطاب المرتقب في 30 سبتمبر 2015 , الذي وصف بالمهم جداً حول ما آلت إليه الأمور من تداعيات ومستجدات وخاصة ما تعيشه الأراضي الفلسطينية من زيادة البطش الصهيوني وتغوله في المسجد الأقصى والقدس بمحاولة تقسيم المسجد الأقصى زمانيا بين المسلمين الفلسطينيين واليهود, الذي من شأنه إشعال المنطقة وهذا ما شاهدناه في الفترة الأخيرة من اندلاع مواجهات كبيرة مع الجيش الصهيوني.
أما بالعودة الى الخطاب المرتقب , وما نوع وصدى القنبلة التي سيلقيها الرئيس محمود عباس ابومازن, وخاصة أنها تحمل مؤشرات جديدة وخاصة بعد لقاء الرئيس محمود عباس بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أحد أعضاء اللجنة الرباعية, وخاصة أن روسيا الآن تلعب دور ملئ الفراغ في الشرق الأوسط بعد تراجع الولايات المتحدة في كثير من الملفات والقضايا ومنها القضية الفلسطينية, وهذا الأمر يؤكد على أن الرئيس محمود عباس يحمل في طيات خطابه مفاجئات وتهديدات, وتأكيدات بالمطالبة بالحق المشروع بإنهاء الاحتلال الصهيوني الجاثم على الأراضي الفلسطينية بأي شكل من الأشكال, وقد سرب الإعلام عن نية الرئيس محمود عباس إعلان فلسطين دولة تحت الاحتلال, لن تكون مهمة سهلة على الرئيس محمود عباس, ولكن تكمن أهمية هذا الإعلان بوضع إسرائيل في زاوية تحمل المسئولية الكاملة, بإعلان فلسطين دولة محتلة وليست أراضي متنازعاً عليها كما تروج الحكومة الصهيونية, وبالتالي تخضع كل الاتفاقيات السياسية والاقتصادية بالحل والإلغاء.
إن الرئيس محمود عباس يدرك تماماً الضغط الدولي الواقع عليه وخاصة من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ولكنه في نهاية المطاف لا يريد سوى صفحة مشرقه تسجل له في تاريخ حكمه للسلطة الفلسطينية, بعد هذا العمر, فالرئيس محمود عباس متمسك بالثوابت الوطنية ولم يتخلى عنها وهو يعمل من أجل انجازها أو قلب الطاولة في وجه المحتل الصهيوني أمام كل العالم.