الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

فلسطين والتمويل الدولي المشروط

فلسطين والتمويل الدولي المشروط

تاريخ النشر: 2025-06-02 | 11:56

منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، اعتمدت السلطة الوطنية الفلسطينية، إلى جانب عدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني، بشكل متزايد على التمويل الخارجي، والذي تدفق في إطار عملية "السلام" الدولية وما رافقها من جهود لدعم بناء الدولة الفلسطينية الناشئة وتعزيز أدوار الفاعلين المدنيين بعد عقود من الاحتلال. ومع مرور الوقت، تعمّق هذا الاعتماد ليصبح سمة هيكلية للمنظومة السياسية والاقتصادية الفلسطينية، لا سيما في ظل محدودية الموارد الذاتية، وتقييد أدوات السيادة الاقتصادية بفعل بروتوكول باريس الاقتصادي، وهيمنة الاحتلال الإسرائيلي على مفاصل الاقتصاد الوطني.

فقد فرضت التقسيمات الجغرافية للضفة الغربية (مناطق أ، ب، ج) واقعًا معقدًا، جعل 61% من الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، مما حدّ من قدرة السلطة على بسط نفوذها الإداري والاقتصادي. هذا التقييد البنيوي، إلى جانب ما وفرته بعض الفترات من وفرة في التمويل الدولي بشروط مرنة، دفع بالعديد من المؤسسات، الحكومية والأهلية على حد سواء، إلى "السباحة في المياه الدافئة"، عبر الانخراط في منظومة المساعدات الخارجية دون تطوير بدائل إنتاجية محلية، أو بناء اقتصاد وطني مقاوم وقادر على الصمود.

بل إن السياسات الاقتصادية المتبعة اتسمت بطابع "نيوليبرالي" لا يتماشى مع خصوصية الحالة الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال، ما أدى إلى انكشاف اقتصادي متزايد، وارتفاع معدلات الاستيراد على حساب الإنتاج المحلي، فضلاً عن الارتباط العضوي بين الخزينة العامة وإيرادات المقاصة التي تتحكم بها سلطات الاحتلال، مما جعل العجز التجاري سمة دائمة في الاقتصاد الفلسطيني.

أما على صعيد مؤسسات المجتمع المدني، فرغم امتلاك العديد منها لإرث نضالي ومهني عريق، إلا أن جزءًا مهمًا منها اتجه نحو التمويل الدولي كمصدر رئيسي، بل إن بعض هذه المؤسسات أعاد صياغة برامجه وأولوياته لتتماهى مع أجندات المانحين، في مشهد يعكس هشاشة الاستقلالية المؤسسية، وغياب استراتيجية وطنية جامعة تُحكم العلاقة بين المجتمع المدني ومصادر التمويل الخارجي.ومع التغيرات السياسية، والتوجهات العالمية، والتقلبات في الرؤى والأيدولوجيات، أضحى التمويل الخارجي أداة بيد المانحين لتحقيق اجندات معينة لديهم، وأضحى مشروطاً بقيود سياسية واقتصادية واجتماعية تفرضها الجهات المانحة، كما أن مسارب هذا التمويل واستهدافاته أضحت محددة من قبل الجهات المانحة، وبالتالي فإن أثرها على خلق تنمية مستدامة أضحى محدوداً، بل وتعرضت السلطة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني الى ضربات وهزات اثرت بشكل جوهري على خططها وبرامجها بسبب توقف عدة مصادر للتمويل أما لأسباب سياسية، او نتاج ضغوطات، أو لتبدل الأولويات، أو لأسباب ذاتية لدى تلك الجهات، الأمر الذي اجهض انفاذ الخطط الوطنية التنموية، او الاستراتيجيات الخاصة بمؤسسات المجتمع المدني، كما ان بعض الجهات المانحة قيدت دعمها بإصلاحات ومتطلبات وشروط ذات أبعاد سياسية، وليس لدواعي الحوكمة، الأمر الذي اثر على الاستقلالية الوطنية.

يُشكّل التمويل الدولي المشروط أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات العامة الفلسطينية، إذ يتعيّن على الجهات الوطنية الموازنة بين الحاجة الملحّة إلى الدعم الخارجي وبين مقتضيات الحفاظ على السيادة الوطنية واستقلال القرار التنموي. وللإنصاف، فقد أسهم التمويل الدولي في دفع بعض مسارات الإصلاح الاقتصادي وتعزيز قدرات بعض القطاعات التنموية. إلا أن هذا التمويل، في كثير من الأحيان، قيّد هامش الاختيار أمام الحكومات الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، وفرض عليها أولويات تتماهى مع أجندات المانحين، لا بالضرورة مع الحاجات الوطنية. كما أن هشاشة هذا التمويل، سواء الموجه للحكومة أو للمجتمع المدني، وعدم انتظامه أو استدامته، أوجد فجوات بنيوية في تنفيذ السياسات العامة، وأثر سلبًا على استمرارية البرامج والخطط الاستراتيجية.

وفي ضوء ما تقدّم، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات التمويل الدولي المشروط، من خلال تبني استراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى الحد من تبعية القرار الوطني لشروط المانحين، وتحقيق توازن مدروس بين الاستفادة من التمويل الخارجي وضمان استقلالية القرار الفلسطيني. ويتطلب ذلك إعادة هيكلة السياسات المالية بما يعزز من الاستقلال المالي والسياسي، ويشجع على تنمية الاستثمارات المحلية، وتوجيه الاقتصاد نحو نموذج تنموي مستقل يقلل من الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي والواردات الأجنبية.

كما تقتضي هذه المراجعة إعادة تقييم الإطار التشريعي والسياساتي الناظم للتمويل الدولي، بما يضمن انسجامه مع أولويات التنمية الوطنية. وفي هذا السياق، يُقترح تعزيز التعاون الإقليمي والدولي من خلال شراكات بديلة قائمة على التضامن، بدلًا من الخضوع لشروط سياسية قد تقوّض السيادة الوطنية.

كذلك، ينبغي دعم قدرات مؤسسات المجتمع المدني على تحقيق الاستقلال المالي، عبر تشجيعها على تنويع مصادر تمويلها، باللجوء إلى التمويل المحلي، وتنمية التبرعات المجتمعية، وتطوير شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص، وتفعيل برامج المسؤولية الاجتماعية. ولا يقل عن ذلك أهميةً، ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المساعدات الدولية، عبر إنشاء آليات رقابية مستقلة، تضمن عدم توظيف التمويل الخارجي لأغراض سياسية، أو فرض إصلاحات لا تتماشى مع الأولويات الفلسطينية.

ويُستحسن، في هذا السياق، تطوير قاعدة بيانات وطنية شاملة للمساعدات الخارجية، توضح بجلاء مصادر هذه التمويلات، وشروطها، وأوجه صرفها، وذلك لضمان توافقها مع خطط التنمية الوطنية الحقيقية، وتحقيق الفاعلية في توجيه الموارد المتاحة نحو تحقيق الاستقلال التنموي.

للاطلاع على الدراسة التي أعدها الباحثون: بدر زماعرة، عمر صالح الأخرس، مؤيد عفانة، والصادرة ضمن منشورات معهد بحوث ودراسات المجتمع المدني بالتعاون مع أكاديمية الشباب الدبلوماسي، يمكن زيارة الرابط التالي:

 https://sharek.ps/storage/app/publications_file/2_060636_20250602.pdf

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط