تاريخ النشر: 2021-04-05 | 14:38
تاريخ النشر: 2021-04-05 | 14:38
فلسطين لازالت ترزح تحت نير الإحتلال الصهيوني البشع العنصري الإستيطاني الإقتلاعي، والذي يمثل صورة من أبشع صور الإستعمار التي شهدتها البشرية، ويمثل آخر احتلال على وجه الكرة الأرضية ويزداد شراسة يوما بعد يوم لأسباب عدة، أهمها الضعف العربي والنظام الدولي المنحاز للصهيونية منذ قيام كيان الإستيطان والإغتصاب والإقتلاع العنصري الصهيوني في النصف الاول من القرن العشرين، لكن حيوية الشعب الفلسطيني وقوته وقدرته وكفاحه من أجل حقوقه المشروعة بالوسائل والاساليب المختلفة ودعم أشقاءه العرب واصدقاءه من قوى الحرية والتقدم والسلام، أبقت على هذا الكيان في أزمة وجودية وحالت دون انتصاره الساحق على الشعب الفلسطيني، بل جعلته في حالة من الإنكسار لا يدركها أحد غير الشعب الفلسطيني، الذي يسجل يوميا أبهى صور الصمود والتشبث بأرقى اشكال الحياة على أرضه، التي تضاهي أبها صور التقدم عبر المراكمة للإنجازات اليومية في مختلف الحقول والميادين الحياتية التي تكشف عن صلابته وتمسكه بحقوقه المشروعة في وطنه وحقه في العودة والحرية والإستقلال وبناء مؤسساته الوطنية على أسس من روح العصر والمدنية والديمقراطية، رغم كل ما يتعرض إليه على يد الإحتلال الغاشم في كامل وطنه ... لكن أمله وإيمانه الذي لا يلين ولا يتزعزع يجعل منه شعبا استثنائيا قادرا على استمرار الصمود ومواصلة رحلة الكفاح بكل ابعادها وصورها المختلفة.
إن فلسطين هي الإستثناء في كل شيء، فلسطين عبر تاريخها الطويل بقيت كمن يقيم مملكته ودولته على حد السيف أو بين طائرين......،
فلسطين قبل أن تتحرر وتقيم دولتها المستقلة، قدمت نموذجا حيا لشعب حي يتمسك بكل صلابة بحقوقه وبحقه في الحياة على أرضه وهو على درجة عالية من الوعي والثقافة والحداثة والمعاصرة، قد أرسى قواعد صلبة ومتينة للبناء على اسسها مستقبله الواعد في الحرية والإستقلال والديمقرطية ...
الآن يقدم الشعب الفلسطيني تمرينا فريدا في الديمقراطية من خلال خوضه استحقاقا انتخابيا في داخل الأراضي المحتلة لإنتخاب 132 نائبا للمجلس التشريعي يوم 22 أيار مايو القادم، تتنافس فيها ست وثلاثين قائمة انتخابية، حسب ما أعلنته لجنة الإنتخابات المركزية، لا شك أنها تعكس حجم التعددية والتنوع، التي يتسم بها الشعب الفلسطيني من الناحية السياسية والثقافية والإجتماعية والمناطقية ...الخ.
لا شك أن هذا العدد الكبير من القوائم المتنافسة يطرح عليها مجتمعة السؤال لماذا هذا العدد الكبير الذي تجاوز ضعفي عدد الفصائل والأحزاب والقوى الفلسطينية الناشطة والمعروفة بين أبناء الشعب الفلسطيني، هذا التساؤل يحتاج إلى بحث معمق للإجابة عليه، كنا ننتظر أن يكون عدد القوائم مساويا أو أقل من عدد الفصائل والاحزاب المعروفة .. لكن يظهر أن بعض الشعب الفلسطيني لم يجد في قوائم تلك الفصائل والاحزاب ما يلبي تطلعاته ومطالبه سواء كانت سياسية أو اجتماعية، يضاف إلى ذلك عوامل أخرى داخلية وخارجية مؤثرة، قد دفعت جميها إلى تشكيل هذا العدد الضخم من القوائم المتنافسة والتي تعكس حالة من التشرذم لدى النخب السياسية بشكل أو آخر والتي عجزت عن إقامة تحالفات وائتلافات تؤدي إلى اختصار هذا العدد الكبير من القوائم .. وهذا يذكرني بمقالة قديمة لصديقي وزميلي د. ابراهيم ابراش كانت بعنوان (موسم الهجرة إلى المجلس التشريعي) ... فالكل يسعى الوصول إلى كرسي التشريعي ويتمتع بمزايا السياسية والمعنوية والمادية، هذا ما يؤكد الحالة الإستثنائية الخاصة للشعب الفلسطيني بكل المقاييس، الذي لا يعيش منعزلا عن محيطه الجغرافي من جهة وعن بقية دول العالم من جهة أخرى وعن مؤثرات الإحتلال، لكن حصافة وتجربة الشعب الفلسطيني هي على درجة عالية من الذكاء ستمكنه من إختيار الأنسب والأفضل والمعبر عن بعده الوطني الواسع المتنوع والمتعدد، وفيها يكمن نجاحه في تمرين الديمقراطية ..
الحقيقة السياسية الواضحة أن بعض هذه القوائم لم نجد ما يميزها كثيرا عن بعضها البعض من الناحية السياسية والبرامجية والمطلبية، بل بعضها يفتقد اصلا للبرنامج أو للرؤيا أو للمطالب التي تبرر صياغة تلك القائمة ودخولها المنافسة، سوى تطلعات شخصية لأصحابها تتعلق بالناحية المعنوية والمادية والعشائرية على المستوى الشخصي والفردي البحت .. إن مثل هذه القوائم بالفعل تفقد مبرر وجودها خوضها السباق للوصول إلى كرسي التمثيل البرلماني في ظل المطالب الوطنية الكبرى والجامعة، وتجد بعضها مجرد انعكاس لإمتدادات ما فوق وطنية أو صدى لتدخلات خارجية في الشأن الفلسطيني، وبعضها لا غاية له سوى تشتيت الأصوات حيث يدرك منظموها عجزها عن الوصول إلى نسبة الحسم، وفي هذا خدمة لبعض الاحزاب والقوى كبيرها وصغيرها ...
على أية حال نستطيع أن نستخلص أن الشعب الفلسطيني يقدم من خلال هذه الإنتخابات وهذه المنافسة تمرينا ديمقراطيا مهما في إطار سعيه لإعادة صياغة نظامه السياسي واستعادة شرعياته الإنتخابية وسعيه في ترسيخ ثقافة الديمقراطية لديه واعتبارها شكلا مهما اشكال النضال يواجه بها المحتل، على طريق إنهاء الإحتلال واقتلاع الإستيطان وتعزيز صموده في وطنه وتثبيت حقه في العودة والحرية والإستقلال في دولة عصرية مدنية ديمقراطية تضاهي أية دولة من الدول المستقلة المعاصرة ...
والشعب الفلسطيني يستحق يستحق الحياة الحرية والديمقراطية.