تاريخ النشر: 2016-06-09 | 23:36
تاريخ النشر: 2016-06-09 | 23:36
يشهد حزيران نكستين على الشعب الفلسطيني، الأولى نكسة وهزيمة الجيوش العربية في 5 حزيران وانتصار إسرائيل عليها، والذي توجته الأخيرة حينها باحتلال مساحات عربية كبيرة تمثلت في احتلال قطاع غزة، والضفة، وسيناء المصرية والجولان السوري، وتهجير ألاف الفلسطينيين من الضفة الغربية، وفتح باب الهجرة إلى القدس وتحديداً الشرقية، وكذلك الاستيطان في أراضي الضفة.
والثانية: انقسام الصف الفلسطينيين، وتناحر الأخوة في حزيران عام 2006 في أحداث دموية وخراب ودمار لا تنساه الذاكرة أبداً. يمر اليوم العقد الأول على ذكرى الانقلاب، وتفسخ الصف الفلسطيني والتي لازال أثاره حتى اليوم في شكل حصار شديد يطبق على غزة بأنيابه، بحيث أصبحت الأحلام الفلسطينية متمثلة في عودة الصف الفلسطيني، ورفع الحصار عن غزة، بدلاً من تركيز الجهود تجاه قضية تحرير فلسطين والقدس، وحق العودة، وتحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال.
منذ حرب 67 يعاني الفلسطينيين أوضاعاً سياسية صعبة. ولعل أهم محطات الخلاف الفلسطيني هي عملية السلام والمفاوضات واتفاق أوسلو، والتي تعتبر أهم أُسس خلق انقسام فكري عميق وجذري بين الأطراف الفلسطينية، وهو ما أدى إلى تنافر الأطراف من فكر بعضها البعض، وزرع أسس تباعد شاسع بين التنظيمات الفلسطينية، واستحالة التلاقي والاتفاق على الأقل في الوقت الراهن.
إن الأوضاع المعيشية أيضاَ لا تقل سوءاً، فهي في خنق متزايد في السنوات العشر الأخيرة، حيث ضائقة اقتصادية في الضفة الغربية واستيطان واجتياحات ومداهمات مستمرة، وحواجز عسكرية، بينما تظفر غزة بحصارِ اقتصاديِ يقضي على الأخضر واليابس كأحد أشكال العقاب لشعب تحكمه قوة عسكرية غير شرعية، إلى جانب حصاراً سياسياً وانعزالاً عن العالم الخارجي.
بات الخلاف السياسي بين الأخوة (حركتي فتح وحماس) نزاعاً وقوة عداء بين الطرفين، وهو ما أدي إلى تمزيق النسيج المجتمعي وانشغال الوضع الداخلي بأزمات متلاحقة كأزمة الرواتب، وأزمة موظفي غزة، والأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها حكومة غزة، الفقر والبطالة، وأزمة الكهرباء والغاز والوقود والاسمنت، وأزمات المعابر. جميعها أزمات تتفاقم يوماً بعد يوم. ولا يخفى على أحد أن اختلاق هذه الأزمات أو جزءاً كبيراً منها يعطل عجلة الصناعة وحركة التجارة وبالتالي يؤدي إلى شلل الاقتصاد المحلي.
في ظل تلك الأزمات؛ أصبحت رائحة الفقر تملاً البيوت والمساكن وأحياء بأكملها، حيث وصل الفقر والبطالة في القطاع إلى نسب مرتفعة جداً، فحسب التقارير الاقتصادية وصل معدل دخل الفرد اليومي إلى 2 دولار فقط، ونحو مليون شخص يعتمدون على المساعدات الاغاثية.
لا يختلف اثنان على أن القضية الفلسطينية بعد غياب الرئيس الراحل ياسر عرفات قد دخلت منعطفاً جديداً، ومرحلة جديدة تتمثل في تيه الدرب أمام القضية، التي أصبحت تتقصى المناسبات من أجل الظهور في عرس جماهيري لا يسمع فيه أحدٌ أحداً. إن غياب قوة الحضور الفلسطيني على الساحة الدولية سببها غياب وحدة الصف الداخلي ووحدة الكلمة والموقف الفلسطيني المشرف أمام العالم، وقد غاب معها كل قوى الدفاع عن قضايا الشأن الفلسطيني والتحرير، والأسرى وحق العودة.
يأتي غياب وحدة الكلمة والموقف في ظل مخططات صهيونية تحاك في المنطقة من أجل إجهاض أي جهود لإيجاد حل مشرف للقضية، وفي ذات الوقت فرض وإثبات الوجود الصهيوني على خريطة سلطة الأراضي الدولية "الطابو الدولي" بعد ترسيم حدودها بعد الاتفاق على اقتراحات تقضي بتدويل القدس، وإضافة بإضافة 720 كلم2 من أراضي سيناء إلى الفلسطينيين في غزة، في المقابل سيطلب من الفلسطينيين أن يتنازلوا لإسرائيل عما مساحته 12% من مساحة الضفة الغربية، على أن تحصّل مصر من إسرائيل ما مساحته 720 كلم2 من أراضي صحراء النقب.
أصبح اتمام المصالحة الفلسطينية وتبديد الخلاف بين الطرفين المتنازعين على الحكم والسلطة مطلباً سياسياً ووطنياً وجماهيرياً عاجلاً. وهو ما يستوجب الأخذ بعين الاعتبار:
أولا: بناء خطة وحدة وطنية قائمة على أهداف فلسطينية استراتيجية وثوابت وطنية متفق عليها من جميع قوى الشعب الفلسطيني وليس المقصود هنا أهداف وثوابت وطنية بمفهوم تنظيم دون أخر، وإنما المقصود بها أن الوطن فيها وحدة واحدة لا أجزاء.
ثانياً: إعادة هيكلة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية الأمر وتكامل رؤى مختلف الفصائل تجاه القضية الفلسطينية، على أن تكون منظمة التحرير حاضنة لمشروع التحرير الوطني باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للقضية والشعب الفلسطيني في جميع المحافل الدولية. وينبغي أن تقوم عملية إعادة الهيكلة على أسس ديمقراطية تضمن مشاركة جميع القوى الفلسطينية بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي حتى تحقق أهداف الشعب الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشريف والعودة للاجئين وتحرير جميع الأسرى.
ثالثا: عودة الحياة الديمقراطية الفلسطينية إلى مجراها الطبيعي داخل مختلف القوى والحركات والفصائل من خلال انتخابات نزيهة قائمة على مبادئ الشفافية والمساءلة السياسية، من أجل قيادة ناجحة وسليمة للعملية السياسية للقضية الفلسطينية وتكسبها الصفة الشرعية في جميع مراحلها وتكسبها أيضاً احترام المجتمع الدولي أمام جميع التفاهمات.
ألا يكفي مرور عشر سنوات على انقسام الصف الفلسطيني؟ أم أن الخطط تبيت للتجديد؟ ماذا لو استثمرت الجهود السياسية الرامية إلى تحقيق المصالحة على مدار هذه المدة في معالجة عدم الثقة بين الأطراف الفلسطينية، وإصلاح حالة التشرذم الفلسطيني؟
إن عدم وجود توافق بين الفصائل ووحدة للكلمة والموقف الفلسطيني، زاد حجم التخاذل العربي تجاه القضية الفلسطينية، وخسارة أي كَســب سياسي مؤيد للقضية ومسارها. ومن المتوقع أن يصل الانقسام الفلسطيني إلى طريق مسدود كما وصل أوسلو. لن يجني الفلسطينيون حينها إلا مزيداً من الخسائر، تتمثل في ضياع القضية بشكل نهائي وتمزيق كل شبر من أرض فلسطين، وتمزيق شهادة ميلادها، حيث ستكون إسرائيل قد ألقت بظلال مخططاتها في تقسميها ما بين استيطان من جهة، وإعادة وضع أجزاء منها تحت ما يشبه بالانتداب الجديد الدائم والوصاية الأبدية لدى دول جوار (مصر والأردن من جديد)؟ وهو ما سيؤدي إلى فقدان الفلسطينيين أهلية الحوار والوجود والتمثيل أمام المجتمع الدولي!
باتت المصالحة الفلسطينية مُلحة أكثر من أي وقت مضى. فجميع الفصائل الفلسطينية مطالبة اليوم بإتمام المصالحة وإنهاء كافة أشكال الانقسامات والخلافات السياسية، وتحمل مسؤولياتهما تجاه خدمة الشعب الفلسطيني والقضية وأن توحد كلمتها تحت راية واحدة تجمعهم من أجل تحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين، وتحرير جميع الأسرى من سجون الاحتلال.