تاريخ النشر: 2020-12-18 | 06:52
تاريخ النشر: 2020-12-18 | 06:52
(14)(فنادق وأماكن). كثيرة هي الأماكن التي اقمت بها بعد حصولي على شهادة الثانوية العامة عام 64 من القرن الماضي فلم يكن البيت الواسع القديم إلذي كانت تتوسطه شجرة سدر كبيرة كان تلاميذ المدارس وهم عائدون يرمونها بالحجارة طلبا للحصول على ثمرة النبق الحلوة التي تتساقط على الأرض كحبات الرطب هو المكان الوحيد الذي أقمت فيه ولا كذلك البيت الجديد الذي انتقلنا إليه وانا في الصف الأول الثانوي فقد تنوعت أماكن الإقامة في غير هذين البيتين يوم ان خرجت من باب البيت الثاني في عتمة تلك الليلة قرب الفجر وعانقت ابي الذي كان واقفا بجواره ومضيت في حين كانت كل الأبواب الخشبية في الشارع الضيق مغلقة غير أن الباب الوحيد الذي لفت نظري هو باب بيت المهندس الزراعي سعيد الذي كانت تفوح منه رائحة الياسمين.. لقد خرج منه هو الآخر وعائلته ذات صباح مهاجرا إلى إحدى بلدان أمريكا اللاتينية ولم يعد لكن نبتة الياسمين التي زرعها قبل هجرته ظلت محل رعاية واهتمام اخته اعتدال التي كانت تسقيها بالماء كل يومين او ثلاثة . تذكرت في تلك اللحظة ابنته ابتسام بحقيبتها المدرسية وزيها المدرسي وضفيرتيها من الشعر التي تعقدهما متدلتين على كتفها وهي تفتح ذلك الباب لتخرج صباحا ألي المدرسة ثم لتغلقه عندالعودة ..هاانا في ذلك اليوم اترك البيت والشارع والأصدقاء وبيت خالي الذي كان يعيدني في كل عيد بقرش مصري واحد من دون اخوالي الآخرين.و في الطريق قرب الفجر سمعت صوت أذان الفجر ينطلق من المساجد وحين توقف وصوله إلى اسماعنا بدأ ابو سمير وهو وراء مقود السيارة يتمتم بقراءة بعض أذكار الصباح.. كان الطريق إلى القاهرة طويلا ومدينة العريش تبدو أمامي وانا انظر من خلال نافذة السيارة إلى الشارع الرئيسي الذي يخترقها كبلدة صغيرة فهي لم تتسع في العمران وتصبح مدينة كبيرة وعاصمة لمحافظة شمال سيناء إلا بعد انسحاب إسرائيل منها بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد اما حينما وصلنا إلى مدينة القنطرة شرق واقتربنا من قناة السويس أوقف ابو سمير السيارة امام مقهى ومطعم كي يتيح للركاب الراحة وتناول الطعام والشراب وعليه هو أيضا أن يصلي صلاة الظهر فهو مواظب على الصلاة في أوقاتها وحضور الدروس في المساجد عند ذلك رأيت مياه قناة السويس عن بعد أمتار رأيتها لأول مرة زرقاء رقراقة صافية واشعة شمس الظهيرة المتوهجة تلامسها بلطف حينها وجدت نفسي اندفع نحوها ما الذي جرى لي،؟ اكل هذا الاندفاع حبا لقناة السويس؟؛ القناة التي اممها الرئيس جمال عبد الناصر وكانت مسرحا للعدوان الثلاثي عام 56 لقد تركت الركاب ورائي وقد اخذتهم الدهشة.. لقد اقتربت منها أكثر.. حقيقة فقد تملكتني أثناء ذلك رغبة شديدة . في أن اقترب أكثر وأكثر حتى الوصول إلى ضفتها الشرقية كي ابلل قدماي بمياهها الطاهرة وحتي يحس جسمي الساخن بالنشوة والانتعاش بعد خمول السفر لكن سائق السيارة ابو سمير لوح لي بيده قال لي : هيه.. هيه.. تعال.. تعال اركب.. عند ذلك قفلت عائدا لتمضي السيارة بنا إلى وجهتها وفي الساعة الخامسة مساء كانت قد وصلت إلى فندق فلسطين بشارع بورسعيد حيث كانت إقامتي الأولى بعد البيت لقد اخترت هذا الفندق وكان بالقرب منه فندق باندونج وبغداد لكون صاحبه كما عرفت من الراكب ابي مروان انه فلسطيني ومن غزة ولكن ما إن صعدت إليه ووصلت إلى طاولة الموظف المسؤول عن استقبال الزبائن وكانت حقيبتي الجلدية الكبيرة معي و وثيقة سفري الزرقاء المصرية للاجئين الفلسطينيين بيدي حتى رأيت الموظف ينظر لي ويبتسم قائلا : خلاص مفيش أماكن للبيات يا حضرة وأول مرة في تلك اللحظة كنت اسمع كلمة حضرة المتداولة كثيرا في اللهجة المصرية عندها أمسكت حقيبتي وهممت بالخروج لولا بمقيم في الفندق يأتي نازلا من السطح وحقيبته أيضا في يده عندها التفت نحوي ألمو ظف قائلا وابتسامة عريضة ارتسمت هذه المرة علئ شفتيه : استنى يا باشا.. استنى وبدون كلمة حضرة هذه المرة وهكذا وجدت مكانا في تلك الليلة بالفندق ولكن فوق السطح لاطل على الشارع بين وقت واخز وارى من فوق عشرة طوابق ازدحام الناس والسيارات والترام بصوت اجراسه المدوية لقد بهرتني في الحقيقة القاهرة من اول ليلة أقيم فيها كما بهرتني الإسكندرية بعد عام حين ركبت في مساء ذلك اليوم القطار المجرى َمن ميدان رمسيس المعروف شعبيا بباب الحديد وكان ذلك في مهمة حزبية طلابية وقتها كان الفصل شتاءا حين توجهت إلى فندق فيليب هاوس الذي رحب بي صاحبه قائلا حين قدمت وثيقة سفري : اهلا بالفلسطينين من غزة اجدع ناس والله ثم تابع ضاحكا اختر يا افندم الغرفة التي تريدها فالفندق خال من الزبائن حيث تخلو المدينه من السياح في الشتاء .. وهكذا في رحلة الغربة عن البيت القديم التي كانت تتوسطه شجرة السدرة الكبيرة وأيضا وعن البيت الجديد الذي خرجت َمنه توالت أماكن الإقامة في فنادق عمان ودمشق وبغداد وبيروت وفي كل فندق كانت لي قصة و حكاية ففي فندق نهر الأردن بعمان رأيت ابن عمتي لأول مرة في حياتي ليصحبني إلى أمه عمتي زهرية ام جمعة المقيمة في العقبة منذ عام 48 هناك سبحت ثاني يوم مع جمعه وإخوانه في مياه البحر الأحمر وكانت أمامنا مدينة إيلات المغتصبة وفي فندق روضة البقاع بدمشق القريب من ساحة المرجه التي بها مقهى الحجاز المشهورة رأيت ابن خالي ابو حسان بعد فراق طويل بدأ بعد حرب يونيو 67 فحين عرف بنزولي في الفندق جاء بعد أذان العشاء بجيب لاندروفر قادما من معسكر الهامة التابع لمقاتلي الثورة الفلسطينية وفي يوم الجمعة بعد العصر جاء مرة أخرى إلى غرفتي في الفندق جلس طويلا ودخن كثيرا وقبل أن ينصرف في الليل أخبرني قائلا : ألا تعرف يا ابن عمتي بان لك امرأة قريبة هنا تقيم في دمشق فاجبته اعرف لقد كان والدي يحدثني عن ابنة عم والده هدى المعروفة بالعائلة باسم طيرة بنت عثمان وحين رأتني قادما إليها في مساء اليوم التالي بصحبة ابي حسان وقد شارفت على الخمسين أو أكثر من عمرها الذي قضت معظمه في الغربة بكت كانت دموعها دموع الفرح على رؤية ابنا من العائلة التي تركتها في غزة لتقديم مع زوجها في الشام . وفي فندق الأرز ببيروت وكان آخر الفنادق التي أقمت بها خرجت منه إلى المطار متوجها إلى طرابلس الغرب بليبيا وقد ودعت بحراره صاحبه ابو عبدو الذي أخبرني ذات يوم انه كان يقود في شبابه قبل عام 48 صهريج وقود كبير من دمشق إلى حيفا... هكذا أمضيت فترات زمنية من العمر في صحبة فنادق وأماكن كثيرة ولكن لم أكن لاشعر بالراحة والسعادة في الإقامة بها إلا حين عدت إلى مكان إقامتي الأول في وطني.. في غزة هاشم الحبيبة لأجد البيت نفسه الذي خرجت آخر مرة. من بابه الخشبي الكبير التي كانت تسمع جارتنا ام جابر صريره في الليل .. بيت جميل مفتوح النوافذ لتدخله أشعة الشمس طول النهار حتى قرب المغيب حين ترتسم بلونها الأصفر على الجدران... بيت واسع تتوسطه هذه المرة بدلا من شجرة السدرة المليئة بالاشواك نخلة طويلة جذورها عميقة ممتدة في قعر الأرض وفروعها مرتفعة شامخة تعانق السماء..