تاريخ النشر: 2019-01-01 | 12:37
تاريخ النشر: 2019-01-01 | 12:37
في علم إدارة القول أو فن الحديث اخترعنا مصطلح أن "لا إسهاب ممل ولا إيجاز مخل"، لذا ليس للاطناب نصيب هنا، بل الدخول في ذات الموضوع بعيدا عن المحسّنات الكلامية اوالكلام مترامي الاطراف لا تعرف أهو ديناصور أو حوت لتشعبه بلا معنى أولامتلائه بالمتكلف من الكلام.
في أحد المؤتمرات التي عقدت تحت مسمى قمة الأرض والتي ضمت عشرات من الرؤساء ورؤساء الوزراء كان أحد المدعوين الرئيس الكوبي "فيديل كاسترو" وهو من المشهورين بالإطالة حتى أن أحد خطاباته في البرلمان الكوبي قد ضرب فيه الرقم القياسي متجاوزا بخطابه ما يقرب الساعات الثمانية، وإذ أعلن ضمن حديثه معتذرا أنه لربما قد اطال عليهم! إلا أنه اكمل الخطاب بساعتين أخريين!
هذا هو كاسترو الذي يعلمه منظمو القمة قمة الأرض التي تتحدث عن البيئة التي عقدت في البرازيل حينها، وكان المطلوب من كل رئيس دولة أو رئيس وزراء كلمة مدتها 5 دقائق فقط، فما العمل مع كاسترو؟
تم ابلاغه بذلك، وكان المنظمون حين جاء وقت كلمته متوجسين، فأيديهم على قلوبهم وفي نظراتهم الرعب من أن يطيل فيفسد البرنامج كليا ولا يعرفون ما يفعلون أمام رئيس دولة وزعيم ثورة عالمي هو أيقونة بحق كياسر عرفات وجيفارا وجمال عبدالناصر وغاندي، وهو الى ذلك معتد بنفسه وواثق دوما بكلامه والمتحمس أبدا حتى بحركات جسده، وهي من مواصفات الخطيب الجيد أيضا الا أن الوقت عامل حاسم هنا!
كاسترو الذي يُسهب بالحديث، قد فاجأ الحضور، لكن الجمهور لا يعلم بالأزمة ما وراء الكواليس فالأساس أنه فاجأ المنظمّين المرعوبين أن كلمته لم تتجاوز الدقائق الأربع! وأكثر من ذلك أنه أضاف فكرة جديدة، إذ ربط الفقر بالبيئة، فتنفس المنظمون الصعداء.
لذا فلا اسهاب ممل ولا إيجاز مخل. أو كما يقول الجاحظ: "أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه".
تحرك كالفراشة والكم كالنحلة
كان هذا شعار الملاكم الشهير محمد علي كلاي أن تحرك كالفراشة والكم (السع) كالنحلة، وهو ما نبتغيه بسياق آخر في فن الحديث.
إذ نقول نحن علينا أن لا نفقد ترابط الأفكار حين الكلام بل وأن نتقن الانتقال بين أجزاء الموضوع بسلاسة "الفراشة"، وهنا لعبارات الربط مفعول السحر مثل (لذلك، وبما أن، وبناء عليه،وفي هذا الصدد...) ولا بأس كما أسلفنا من التوقف حيث لزم لالتقاط الأنفاس واستحضار الفكرة التالية.
كما علينا اللجوء حيث لزم "للسع واللكم" من خلال التوكيد للأفكار والتكرار للمفاهيم الأساسية أكثر من مرة وأن ننوّع بأسلوب العرض ما استطعنا وقوفا وجلوسا وحركة وباستخدام لغة الجسد بحيوية الحركات الدائرية والمفتوحة من جهة وبطبقات صوت تناسب كل مقطع او قسم من أقسام المادة.
وفي هذا المقام نقول:استخدم ضمير المخاطب ليشعروا أنهم معنيين (أنا، أنتم، نحن، أنت).
الطقوس والابتسامة والرائحة!
لا تظن أن المحاضرين أو الدعاة الدينيين أو المبشرين أو القادة لا يختارون ملابسهم بعناية، بل هم يتعمدون اختيارها لكل مناسبة فهي مؤشر من مؤشرات الشخصية، لذا كانت الحطة/الكوفة والبدلة الخضراء لا تفارق ياسر عرفات، كما لم تفارق البدلة السفاري خليل الوزير أو صلاح خلف أو صخر حبش، وكانت العمامة للشيخ او قلنسوة الخوري دلالة تساعد في التعبير عن الشخصية وفن الحديث ذاته.
وفي ذات الإطار فإن تكامل الطقس لا يعني فقط حسن اختيار الملابس وحركات الجسد وتوافقهما مع البيئة والحضور والثقة والاحترام، وانما أيضا امكانية ان يكون للرائحة الزكية دورا!
فالتطيّب للمتحدث قد يكون مؤثرا، ولا أكاد أنسى ذاك اللقاء الذي عقدناه مع الراحل ياسر عرفات عام 2002 وتقدم كعادته للحضور في الاجتماع لقيادة التعبئة والتنظيم بمسؤولية الاخ هاني الحسن حينها وبحضورنا في مقر المقاطعة في رام الله، وقد دخل أبوعمار مبتسما ويكاد يقفز قفزا رغم مرضه، وسلم على جميع الحضور واحدا واحدا.
وكانت رائحته الطيبة قد نشرت بالجو الحبور والابتسامات، وان خالطها حينها شيء من رائحة الأدوية الصعبة، رغم ما قام به لاحقا من استخدام تكتيكه الأثير بالاجتماعات بان صرخ بأحد الحضور من المقربين ليحذر المعارضين من التمادي، فكان غضبه الكامن رغم ابتسامته ورائحته الزكية الطاغية كان يعطي من الرسائل اكثر مما قاله في ذاك الاجتماع حيث أكد على ضرورة الحشد من اجل القدس ومكررا عبارته الأثيرة "يريدونني أسيرا أو قتيلا اوطريدا وأنا أقول لهم شهيدا شهيدا شهيدا" "على القدس رايحين شهداء بالملايين" أنظر استخدامه المكرر والمكثف للشعارات التحفيزية والتعبوية.
يذهب الكاتب «بيت فرون» وآخرون معه في كتابهم «الرائحة.. أبجدية الإغواء الغامضة» إلى القول: «إن الحيوان ـ أي حيوان ـ يتجنب الروائح النتنة وما يرتبط بها من أشياء خطرة، وأنه يتقفّى أثر الروائح الزكية، ولا يبرح الأماكن ذات الروائح المألوفة، إلا إن اضطر إلى ذلك اضطراراً، ولا تبدأ آليات السلوك هذه في العمل، بالطبع، إلاَّ حين ترتبط انطباعات الشم بخبرات راسخة في الذاكرة على نحو أو آخر..» (ترجمة د. محمد صديق جوهر، وإصدار كلمة ـ دائرة أبوظبي للثقافة والسياحة).
لنعد ثانية ل"عقلية الوفرة" ففي سؤال لأحد كبار المتحدثين في البرامج الحوارية على المرناة (التلفزة) قال إنني مليء دوما.
وهو بهذا قد لخص القدرة اللفظية والحصيلة المعرفية والتدريب المسبق في سياق تعريف "الامتلاء" كبئر تفيض، فمهما غرفت منه لا ينضب او وفق المثل العربي "عند الرماء تملآ الكنائن" فتكون مستعدا للتسديد دوما، فبئرك لا تكون ناضبة أبدا.
وتذكر دوما أنه " كلما زادت معرفتك بالموضوع تمكنت من تقديم رسالتك بطريقة أقوى".