تاريخ النشر: 2026-11-05 | 14:21
تاريخ النشر: 2026-11-05 | 14:21
أسفرت الانتخابات النصفية الأمريكية عن فوز ديمقراطي ساحق وانتزاع الأغلبية في مجلسي الكونجرس، في هزيمة قاسية لحزب الرئيس دونالد ترامب، تكشف عن حجم العقاب الذي قرر الناخب الأمريكي إنزاله بالرئيس وإدارته. إنها ضربة سياسية ثقيلة ستضع «ترامب» في مواجهة كونجرس معارض، وتحاصره بلقب «البطة العرجاء» طوال ما تبقي من ولايته، في مشهد يعيد إلى الأذهان هزيمة الجمهوريين في انتخابات 2018، منتصف ولايته الأولى.
لكن خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونجرس تأتي هذه المرة في سياق حرب مفتوحة مع إيران، وأزمة معيشية تثقل كاهل الأمريكيين، واضطراب دولي تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط. فهل تكون طهران قد حققت انتصاراً استراتيجياً في قلب واشنطن، ليس عبر صناديق الاقتراع الأمريكية، وإنما بقدرتها على الصمود في مواجهة استراتيجية الضغوط القصوى، وتحويل كلفة الحرب إلى عبء سياسي على الرئيس الأمريكي؟
وقد تجاوزت نتائج الانتخابات حدود التغيير التقليدي في توزيع المقاعد، لتكشف عن موجة ديمقراطية واسعة أعادت رسم خريطة القوة داخل الكونجرس، بانتزاع الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، واستعادة مواقع جمهورية في ولايات ظلت لعقود معاقل انتخابية محافظة، بينها تكساس وأيوا وكانساس وأوهايو وكارولاينا الشمالية وساوث كارولاينا. ولم تتوقف الموجة عند المؤسسة التشريعية، بل امتدت إلى سباقات حكام الولايات، في انتكاسة انتخابية غير مسبوقة لترامب، عكست تراجعاً واضحاً في قدرة نفوذه الشخصي على حماية مرشحي حزبه، حتى في البيئات الأكثر ميلاً للجمهوريين.
لم تكن هذه النتائج مجرد عقاب حزبي عابر. فقد أظهرت استطلاعات الخروج أن كلفة المعيشة تصدرت دوافع التصويت، وأن غالبية واسعة حمّلت ترامب مسؤولية الأسعار المرتفعة، فيما رأي ناخبون أن الحرب على إيران والرسوم الجمركية زادتا أوضاعهم سوءاً. وبذلك انتقلت الحرب من حسابات غرف العمليات العسكرية إلى فاتورة الوقود والسلع، ومن خطاب الأمن القومي إلى سؤال الناخب البسيط: ماذا جنيت من هذه المواجهة؟ وقد أقر «ترامب» بأن الحرب أسهمت في خسائر الجمهوريين، في اعتراف يكشف أن طهران نجحت في جعل كلفة الصراع عاملاً ضاغطاً داخل السياسة الأمريكية.
هنا يتحدد معنى «الفوز الإيراني». فليس المقصود أن إيران حسمت الحرب عسكرياً، أو أنها خرجت من المواجهة بلا خسائر، بل أنها عطلت الرهان الأمريكي على إخضاعها سريعاً، ودفعت واشنطن إلى مواجهة استنزاف تتجاوز أدوات القوة التقليدية. لقد باتت قدرة الولايات المتحدة على توظيف تفوقها العسكري مرتبطة بمدى احتمال المجتمع الأمريكي للكلفة، وبقدرة الإدارة على تبرير استمرار الحرب سياسياً. وهذا هو الفارق بين التفوق في الميدان وتحقيق النصر الاستراتيجي.
لكن الهزيمة الانتخابية لا تعني أن «ترامب» فقد أدواته. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية وقيادة القوات، بينما يمنحه فقدان الأغلبية في الكونجرس خصماً رقابياً وتشريعياً أشد، ويضع تمويل الحرب والتعيينات والميزانية أمام مساومات صعبة. وقد تتحول الأشهر المقبلة إلى مواجهة مؤسسية، بما فيها التحقيقات والاستدعاءات، ومحاولات الديمقراطيين تقييد قرارات البيت الأبيض.
أما رد «ترامب» تجاه إيران، فالأرجح أن يتأرجح بين مسارين: تصعيد محسوب يرمم صورة الرئيس ويصنع مشهداً يعلن عبره «النصر»، أو تفاوض يتيح له تسويق تسوية باعتبارها إنجازاً. ولا يمكن استبعاد ضربة محدودة أو تشديد الضغط البحري والاقتصادي قبل العودة إلى طاولة التفاهم. وقد يختار البيت الأبيض الجمع بين الخيارين، بتكثيف الضغط لفترة قصيرة ثم فتح قناة تفاوض، لأن إعلان التراجع وحده يجرح صورته، بينما استمرار الحرب بلا أفق يفاقم مأزقه الداخلي، ويضع حلفاءه الإقليميين أمام حسابات أكثر تعقيداً.
غير أن التصعيد الواسع قد يضاعف أسعار الطاقة، ويهدد الملاحة في هرمز، ويوسع دائرة المواجهة إقليمياً، فيعيد إنتاج الأسباب التي عاقبه الناخبون عليها.
في المقابل، قد تستثمر طهران تبدل ميزان السياسة الأمريكية لرفع سقف شروطها، لكنها ليست في مأمن من حسابات خاطئة؛ فالتوافق الأمريكي على منع إيران من امتلاك سلاح نووي لا يختفي بتغير الأغلبية، كما أن الكونجرس الديمقراطي لا يعني بالضرورة تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية. لذلك تظل نافذة التفاوض قائمة، وإن كانت محاطة بانعدام الثقة ومخاطر الميدان.
الانتخابات إذن لم تمنح إيران نصراً نهائياً، لكنها منحتها مكسباً استراتيجياً: جعلت الحرب أزمة أمريكية داخلية، وقلصت هامش المناورة أمام ترامب. والسؤال الذي يواجه الرئيس الآن ليس فقط كيف يضغط على طهران، بل كيف ينهي حرباً لم تنتج الحسم الذي وعد به، من دون أن يبدو خروجه اعترافاً بالهزيمة. تلك هي المفارقة: قد تكون إيران خسرت في ميادين القتال، لكنها ربحت ليلة الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأمريكية بخسارة «ترامب» وحزبه.