تاريخ النشر: 2023-01-03 | 08:42
تاريخ النشر: 2023-01-03 | 08:42
ان حقبة جديدة تفرض بداياتها على العالم الذي أصبح متداخلا في قضاياه متشابكا في مصالحه كما لم يكن في اي وقت سبق..وتتسارع وتيرة الأحداث يستدعي بعضها بعضها.. فخلال سنوات قليلة فرضت وقائع كانت تحتاج عقودا..
وفي أول أبجدية هذه الحقبة تحتشد الأسئلة حول مصير إسرائيل -الدولة الطارئة- التي كرست كأبرز نتائج الحرب العالمية الثانية.. ولا يتوقف الأمر هنا بل تجد الأسئلة مجالها الحيوي حول مستقبل العرب في مصر وسورية والعراق والسعودية والجزائر.. وعلى الضفة الأخرى يبرز السؤال الكبير: إلى أي مدى يصمد اقتصاد دول الشمال امام النزف الرهيب بعد أزمة اوكرانيا.. فها هو الركود يهدد نصف القارة وعليه فما هو مصير القارة صاحبة مشروع النهضة المعاصرة .. وفي ضوء ذلك اي مستقبل لعلاقة الامريكان بأوروبا.. وما علاقة هذا كله بما يجري في دول الجنوب الحريات والنهضة والاستقلال.. وما علاقة كل هذا بعقدة العقد "إسرائيل."
روسيا وامريكا الصراع الصفري:
خرجت روسيا من تحت انقاض الاتحاد السوفيتي بجرح متشعب و ادراك عميق ان ليس هناك عهود للادارات الامريكية وان الغرب لايريد بروسيا خيرا بل لايريد لها وجودا سياسيا خاصة بعد ان وعد الامريكان السوفيت بضخ ما يلزم من أموال كما صرح حينها ريفان الرئيس الامريكي لانعاش نظامهم الاقتصادي ان هم سلكوا طريق البروتسترويكا فكانت النتيجة تمزيق الاتحاد واسقاط الدولة والانتقال فورا الى فرض وقائع إقليمية ودولية لترتيبات تجسد التسيد الأمريكي على العالم.
بعد ان استعادت القيادة الروسية زمام المبادرة في إقامة دولة قومية اصبح واضحا ان زمنا لن يطول قبل ان تتحرك روسيا بما لديها من ارث سياسي وصراعي لتحد من النفوذ الأمريكي وتحرك الساسة الروس لاثبات وجودهم في اكثر من مكان بتفاهمات مع الامريكان وطمأنتهم حتى وصل الاعداد الروسي والتحرك مدى لم يعد مقبولا لدى صناع السياسة الامريكية فهاهي روسيا في اكثر الأماكن سخونة حيث تضع قواعدها في الشام وعلى بحرها وهاهم المستشارين الروس في طهران يدعمونها في الصناعات الحربية والنووية ويتقدم الروس الى الاتراك يعوضونهم عن طائرات اف 35 الامريكية بتغطية التراب التركي بمنظومة صواريخ اس 400 .. في جملة واضحة يمكن رسم منحنى بياني للتقدم الروسي في العالم بعد نهوض الدولة الحديثة التي لم تغادر تحالفات طبيعية لها ورثتها عن الاتحاد السوفيتي لاسيما مع الصين العملاق الاقتصادي الذي اخذ في طرد المنتوج الغربي من أسواق عديدة وانطلق في مشروع عملاق من شأنه احداث ازمة خانقة للاقتصاد الراسمالي.
أمريكا ومراكز الاستخبارات والتحليلات المرتبطة بمواقع صناعة الموقف والقرار تواصل الاستنتاجات والمراقبة لكل تطور يحصل على قوة الروس وتحركهم رغم عملية الخداع الاستراتيجي التي تقوم بها القيادة الروسية.. ولعل المطلع يؤكد ان هناك عشرات ان لم تكن مئات الدراسات عن المسار الروسي والتنبوء بمستقبل دوره.. حاولت الإدارات الامريكية خلال هذه الفترة ترتيب العالم بطريقة تتناسب مع انتصارها الكبير على المنظومة الاشتراكية.. فشنت حملة حرب جهنمية على أفغانستان والعراق ومن ثم حملة الربيع العربي لتدمير الدول العربية وتقسيمها على حسب خريطة برنارد لويس المعتمدة في البنتاغون.. الامر لايقف في حدود القارة الإسلامية بل تعداه لتتم إجراءات كبيرة في العلاقة مع الحلفاء في اوربا التي أصبحت في نظر الامريكان قارة عجوز يجب ان تدفع ما يقابل حماية أمريكا لها الامر الذي واجهه الاوربيون بكثير من الانزعاج والقلق والدعوة لبناء جيش اوربي مستقل والخروج من منظمة الناتو الذي حسب راسهم يمر بمرحلة موت سريري كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي ماكرون الا ان تخبطا أصيبت به المؤسسة الامريكية جراء تنازع السلطة بين اليمين والديمقراطيين و تنازع السلطة داخل المؤسسات الحاكمة في أمريكا حول توحيد موقف حازم تجاه تمدد النفوذ الروسي.. وكانت سنوات ترمب فرصة مذهلة للروس افسحت لهم المجال في البحث عن مواقع نفوذ لاسيما وان الرئيس الأمريكي كان جادا في الانسحاب من مواطن صراع كثيرة لانه يرى ان السابقين من الرؤساء والحكومات ورطوا الولايات المتحدة في حروب مكلفة ارهقت الاقتصاد الأمريكي وكلفت أمريكا 8 تريليون دولار.. وهنا كان موقف ترمب واضحا ان الحكومات السابقة لم تدافع عن أمريكا انما عن مصالحها وهنا حصل الارتباك في الخطاب الأمريكي رغم معارضة مؤسسات الاعلام والامن وهوليود لسياسة ترمب.
عاد الديمقراطيون للحكم ليرسموا معالم سياستهم المستقبلية وينقلوا المعركة كلها هنا في مواجهة روسيا والصين ويبدون استعدادات لانسحابات من بعض ساحات المواجهة العديدة في أماكن اخرى.. وفي هذا السياق كان التسريع بالخروج من الملف العراقي والافغاني ومحاولة التهدئة في مواقع أخرى.. والعمل من جديد لترميم العلاقة مع اوربا الغربية والعودة للمنظمات الدولية التي انسحب منها ترمب كما اعادت التزامها بالدفع للناتو والقواعد المتواجدة في المانيا واوربا.
اصبح الامر مكشوفا لكلا الطرفين ان الرؤية الاستراتيجية لكل منهما واضحة للطرف الاخر.. وهنا بدأ التحرك الأمريكي في محاولة تطويق عسكري لروسيا بزرع قواعد عسكرية استراتيجية في العديد من الدول المجاورة.. وكانت أوكرانيا اخطر المواقع على الامن القومي الروسي ومن هنا رفع الروس عقيرة احتجاجهم مصرين على الحصول على تطمينات امنية مكتوبة رفضها الامريكان واصر الامريكان على الاوربيين ان لاموقف تجاه التطمينات بل وامتد الضغط الأمريكي على المانيا لمنعها من الاستمرار في الاستثمار في خط الغاز ستريم 2 الذي كان من شأنه ان يضخم كميات إضافية من الغاز الروسي على اوربا وألمانيا بالذات.
ادرك الروس ان هم مكثوا في سكونهم فانهم سيشهدون تقسيم روسيا بعد تحطيم امنهم القومي وان دورهم الدولي انتهى وانهم لن ينالوا درجة دولة إقليمية قوية.. كما ادرك الامريكان ان السكوت عن التحرك الروسي والتطور في إيجاده مناطق نفوذ جديدة يعني بوضوح ان موضوع التفرد بالتسيد اصبح في كف عفريت وان شريكا عنيدا مؤهلا باقتصاد عملاق يمكن ان يقضي على الإمبراطورية الامريكية وينهي دورها الكوني ويرجعها الى القارة الامريكية مثقلة بالديون والأزمات الداخلية.
من هنا كان الاشتباك في الساحة الأوكرانية هو في حقيقته صراع وجود تشعر الإدارة الامريكية بحساسيته اكثر من كل حلفائها الاوربيين الذين كان بوسعهم التعايش مع جار قوي يتبادلون معه المنافع في علاقات مستقرة بامد طويل..
وكما هو واضح فالاشتباك المسلح في أوكرانيا بين الروس والسلاح الغربي لاسيما الأمريكي مزودا بالمستشارين والتدريب الأمريكي انما هو عنوان مواجهات عنيفة تماما تحاول الإدارة الامريكية من خلالها توجيه ضربات عنيفة للاقتصاد الروسي وافقاده الاعتماد على الغاز والنفط وكانت هذه المعضلة الكبيرة التي حاولت الإدارة الامريكية تجاوزها في طمأنة حلفائها الاوربيين بتعويض النقص في ضخ الغاز الروسي ولكن دون جدوى..
ورغم محاولات الإدارة الامريكية حشد الموقف العالمي ضد روسيا الا ان انتكاسات حقيقية تعيشها السياسة الامريكية حتى في ساحة حلفائها الاوربيين اما الأكثر بعدا كالاوبك مثلا فلقد رفض اصدقاؤها ضخ مزيد من النفط ولأول مرة تلقى الرئيس الأمريكي إشارة سلبية من أصدقائه بوضوح وجرأة.
المشهد العربي والصراع الكوني:
اتهمت أمريكا مصر انها تأخذ المساعدات الامريكية لتشتري بها سلاحا من كوريا الشمالية، وفي الوقت نفسه فتحت السعودية باب العلاقات على وسعه مع الصين في احتفالية كبيرة باتفاقيات عديدة عسكرية واقتصادية و يكون تم الاتفاق مع الروس لبناء شبكة اس 400 لتغطية سماء السعودية بعد ان سحب الامريكان الباتريوت من الأراضي السعودية، اما تركيا فلقد تقدمت خطوات مهمة للتصالح مع مصر والسعودية في محاولة لاستئناف المنافع المتبادلة وانهاء جو القطيعة والتوتر، ومايجري في سوريا ونحوها يعطي إشارة بانهاء الوجود الأمريكي في سورية في ظل تفاهم تركي روسي سوري لتطبيع العلاقات وانهاء ملفات معقدة، ورغم ان العراق لازال مستلبا لمجموعات من اللصوص الطائفيين الا ان التوجه نحو روسيا والتسليح والعلاقات مع الصين خيار قوي تماما.. وفي المغرب العربي تبدو الجزائر دولة محورية باستقرارها السياسي وامتلاكها موقفا متماسكا في مواجهة الاطماع الغربية ولايخفى حجم الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والجزائر في شتى الميادين لاسيما المجال العسكري الذي يكون قد منح الجزائر فرصة لاعداد جيش عصري مسلح بارقى أنواع السلاح..
رغم ذلك فلا بد من ملاحظة الجيوب الامريكية في المنطقة العربية وإمكانية اشعال فتائل صراع داخلها سواء بين بعض الدول او داخل الدولة الواحدة.. وسيكون هذا رهان كبير في المرحلة القادمة.. الا ان قوة معسكر التمرد على الغطرسة الامريكية هو الأكبر وهو يتسع وتتبلور مواقفه ويجد نفسه مدعوا لتعزيز التعاون فيما بينه وهنا تبرز أدوار إقليمية كبيرة للسعودية ومصر والجزائر ويكفي ان تتحرك هذه الدول إقليميا لتجد ان المنطقة العربية بما تمثله من قدرة مالية فائقة وامتداد جغرافي استراتيجي وكتلة بشرية شابة فاعلة جميعا خلفها،
ان تحجيم الهيمنة الامريكية وسطوة البطش الأمريكي ضروري تماما لكي يلتقط النظام العربي فرصة في تعديل موقفه من جملة القضايا المطروحة وعلى راسها قضية فلسطين وإعادة الاعتبار لمشاريع النهضة والتعاون العربي والتكامل البيني.. وسيجد العرب في روسيا حليف استراتيجي حيث لا رغبة لدى الروس ظهرت عبر التاريخ في الهيمنة على بلاد العرب ولم يعهد عليهم خيانة العهود والنكوص عن المواثيق.. واذا حاول الروس تعديل فجاجتهم في التعامل مع الملف السوري وقيامهم بدور جوهري لصالح الشعب السوري بتوحيده وتمكينه من ممارسة حقوقه السياسية بما يتناسب مع شعب اصيل في المنطقة فانهم حينذاك يكونون قد وطنوا لانفسهم موقعا محترما في وجدان الشعوب العربية.
إسرائيل والصراع الوجودي اين:
ان ارتفاع وتيرة التطرف اليميني في إسرائيل يعني بوضوح ان قلقا وجوديا ينخر عظام التجمع العنصري وان الالتجاء الى التطرف اليميني هو هروب نفسي للاحتماء بالعنف والبطش.. وان انكسار اليسار الذي أقيم على كاهله الكيان الصهيوني يعني بوضوح انتهاء المشروع السياسي لهذا الكيان الذي تختطفه الان مجموعات من المجانين الذين يعجلون بانتهاء الكيان باخلالهم في موازين الصراع وزجهم بالكيان في الزوايا المظلمة.. هؤلاء لايدركون ان كيانهم لم يقم الا بدعم الغرب وان الغرب لم يدعمهم مؤيدا خزعبلات المجانين الإرهابيين الصهاينة انما لما سيقوم به هذا الكيان من وظائف استراتيجية في المنطقة وان هذا السلوك الصهيوني المغالي في عنصريته لن يجد قبولا لدى الممولين حتى الامريكان منهم.. وهذا مايفسر المواقف المتتالية من قبل عواصم اوربية بل حتى من قبل واشنطن بضرورة التزام إسرائيل بحل الدولتين بعد ان عصفت السياسة الامريكية في مرحلة سابقة بهذا الخيار..ثم ان الصراع الان ليس كما كان في الحرب الباردة توزيع مناطق نفوذ انما هو صراع وجودي بين الإرادة الروسية الصينية والإرادة الامريكية ايهما يثبت معالمه في الواقع وساحة المعركة البارزة اليوم أوكرانيا.. فما هي جدوى إسرائيل للاستراتيجية الامريكية فاوكرانيا هي الأهم في الأمد القريب والبعيد فهنا الصراع الكبير وعلى ضوئه ستتحدد ملامح الحقبة القادمة..
إسرائيل تواجه الان اكثر من أي مرحلة سبقت تحديات تهز ضميرها ووجدانها.. فهي تعيش اتون مقاومة فلسطينية غير مسبوقة وهاهو املها في ان تجد من الشعب الفلسطيني من يضمن لها امنها يتبخر، فلقد أصبحت الضفة ساحة مواجهة لم تشهدها إسرائيل من قبل فيما يبدو شباب الضفة في حالة عنفوان وتزايد وقوة كانهم يبدأون الكفاح الفلسطيني الان بكل عنفوانه، و هم في مواجهة غزة رغم كل اغراءاتهم واعتقادهم انهم اشتروا جوعها وقلقها الا انها خنجر حقيقي في خاصرتهم بانها أصبحت حالة متمردة صعب احكام السيطرة عليها.
وفي مواجهة النظام العربي فلقد فشلت زفة التطبيع ولم يعد لاي من الحكام العرب مبرر للهرولة نحو علاقة مع الكيان الصهيوني.. بل ان اسرائيل تتلقى رسائل شديدة اللهجة ممن وقعت معهم اتفاقيات صلح كما يحصل من حين الى اخر مع مصر والاردن.. تواجه إسرائيل موقفا عربيا شعبيا صلبا رافضا بقائها في المنطقة متمسكا بفلسطين لاتخفي إسرائيل قلقها منه وامتعاضها.. وعلى الصعيد الدولي تتوسع موجة الغضب العالمي من النهج الصهيوني وتلاحق المحاكم السياسة الإسرائيلية وأصبحت إسرائيل في اكثر مرحلة من عمرها في مثل هذه العزلة التي تزداد بسطوة اليمين الإرهابي المجنون على مقاليد الحكم الامر الذي لا يخفيه كثير من قادة الاعلام والسياسة في إسرائيل.
خلاصة منهجية:
المواجهة الكونية تتمدد وتشمل ساحات جديدة وأنواع جديدة ومن الواضح ان أمريكا توظف في هذه المواجهة كل ما تستطيع لانها معركة مصيرية بل وجودية وسيترتب عليها واقع يقلب الكون راسا على عقب وليس مستبعدا ان تمتد المواجهة الى المواجهة النووية جزئيا او التهديد بها..
وستكون هناك فسحة من الفرصة للعرب ولكثير من الدول كتركيا وباكستان فيما لو عاد عمران خان للتحرك لفرض كتلة جديدة متجانسة متقاربة متعاونة مشكلة ضغطا دوليا كبيرا فالسعودية ومصر والجزائر عربيا ستمثل قاعدة انطلاق لموقف عربي كبير يقود المنطقة العربية ويجنبها تدخلات الاخوة الجيران الأصدقاء الخصوم ايران وتركيا.. واما إسرائيل فلن تجد الا انهيار بعد انهيار لان انهيارها سيكون اسهل مما يتوقعه الكثيرون.. ففلسطين والقدس لا تحتاج جيوش جرارة لتحريرها انما تحتاج لموقف عربي صلب يتصدى لغطرسة الاستعماريين الكبار المنشغلين الان بمعركة وجودهم.. حينذاك لن تجد المجموعات الصهيونية من بد الا العودة من حيث أتت وان كانت جمعية المغادرين التي تنقل اليهود الان للخارج لازالت في مهدها فهي مرشحة للتوسع.. فلسطين هي مستقبل العرب.. وامريكا وروسيا سيواصلان حربهما سنوات عديدة يتسغلها العرب في التحرر من هيمنة أمريكا.