شاء القدر أن يولد "فيصل الحسيني " في بغداد ويتعلم في القاهرة ويعيش في القدس ويموت في الكويت ويدفن في باحة المسجد والحرم المقدس لتخلد اليوم الذكرى الرابعة عشر على رحيل فارسا من فرسان القدس ، وقائدا متميزا من قياداتها ، عميقا وعريقا ، أصيلا ونبيلا ، صادقا ورقيقا ، حاسما وحازما ، فلم يكن رجل في وطن بل كان وطناً في رجل .
بغيابه تعددت المرجعيات والاتجاهات وبرحيله تعددت الهجمات والانتهاكات لم تعد القدس كما كانت ولم يعد سكانها يشعرون بكيانهم دونه ، الراحل الحسيني الذي غاب عن المشهد السياسي والاجتماعي المقدسي ترك فراغاً كبيراً لم يستطع أحد ملئه ، كما أن بيت الشرق الذي كان بمثابة مقر وملجأ دبلوماسي ووطني كان بمثابة القبلة الوطنية التي استقطبت الدبلوماسيين والساسة من كافة أرجاء العالم والذي أغلقته سلطات الاحتلال بعد رحيله بعدة أشهر.
فقد انتمى لفتح منذ البدايات عام 1964، وعاد للوطن عام 1967 بعدما كان في صفوف جيش التحرير ثائرا ، وعمل مبكرا في مهام وطنية متعددة ، في صفوف حركة فتح ليعتقل عام 1967، وتعرض للاعتقال مرارا والإقامة الجبرية ومحاولات الاغتيال الفاشلة من قبل المستوطنين والملاحقة والمطاردة والمضايقة طوال رحلة عمله ، حافظ خلالها على آليات التواصل مع الحركة الوطنية وتنظيم العمل السري وبناء المؤسسات الوطنية والأهلية.
المناضل الحسيني لم يكن قائدا بالمصادفة ولا لان والده هو الشهيد البطل عبد القادر الحسيني قائد معركة القسطل بل حاز القيادة بجدارته ونضاله وتضحياته وهو نضال ممتد في عقود طويلة من الزمن ، تمكن خلالها من ولوج قلوب مواطنيه وأبناء شعبه شاركهم أفراحهم وأتراحهم .
تصدى فيصل الحسيني لسياسات السلطات الإسرائيلية المحتلة في القدس ودافع عن عروبتها في منابر العالم ، وقاد المظاهرات ، ودافع عن الحرم القدسي الشريف ، وقاوم الاستيطان في مختلف المواقع ، وبخاصة جبل "أبو غنيم". كما تصدى للقوات الإسرائيلية خلال أحداث النفق 1996، وكرس بنشاطه القدس عاصمة فعلية لفلسطين ،. كما قام بعدد كبير من الجولات للدفاع عن قضية القدس وفلسطين، وتميزت آخرها بمحاولة تحويل الهم العربي إلى القدس، بحيث وساهم ذلك كله في أن ترسخ جذور الوجود العربي الفلسطيني في المدينة المقدسة وان تشتد لحمة العلاقة الإسلامية والمسيحية حيث كان الأحرص عليها.
ليرحل في 31/5/2001 خلال زيارته للكويت وأودع في 1/6/2001 في باحة الحرم القدسي الشريف حيث حمل جثمانه من مقر الرئيس عرفات في رام الله إلى القدس في جنازة لم يكن لها مثيل في فلسطين حيث حررت القدس خلال هذه الجنازة لعدة ساعات دخل فيها الفلسطينيين بمرافقة الجثمان واختفى الاحتلال حينها من الشوارع دفن في باحة الحرم القدسي بجوار أبيه وجده ، لتكون المرة الأولى التي يدفن فيها فلسطيني في هذا المكان منذ احتلال إسرائيل للقدس عام 1967.... ليموت الحالم بعد أن زرع الحلم و لتبقى القدس نبراسا للسلام والدفء والوفاق والتوافق... لتبقى القدس العاصمة المترابطة بالوجود الجغرافي والجزء الذي لا يتجزأ من أرض فلسطين .
عضو شبكة كتاب الرأي العرب