الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

في حروب الإبادة... الذاكرة هي آخر خطوط الدفاع

في حروب الإبادة... الذاكرة هي آخر خطوط الدفاع

تاريخ النشر: 2026-07-02 | 19:57

وسام زغبر
وسام زغبر

«يذهبون ليتركوا شيئًا؛ لا يذهب بذهابهم... يتركون الذاكرة التي لا تبلى... يتركون أنفسهم في أنفسنا ثم يذهبون.»

محمود درويش

تُقاس الحروب عادةً بعدد القتلى، وحجم الدمار، والخرائط التي تتبدل بفعل القوة العسكرية. أما حروب الإبادة، فلا تكتفي بقتل الإنسان، بل تسعى إلى اقتلاع ذاكرته، ومحو روايته، وتحويل وجوده إلى أثرٍ قابل للنسيان. إنها حرب على الماضي بقدر ما هي حرب على الحاضر، وعلى المستقبل أيضًا.

هذا ما يواجهه الفلسطينيون منذ ما يقارب ألف يوم من الحرب المتواصلة على قطاع غزة. فالمشهد لم يعد يقتصر على القصف والدمار والتهجير، بل بات يكشف عن نمط متكامل يستهدف المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته؛ البشر، والمؤسسات، والثقافة، والتعليم، والصحة، والإعلام، وحتى المقابر. وكأن الغاية النهائية ليست فقط إنهاء حياة الفلسطيني، بل إلغاء الدليل على أنه كان هنا يومًا.

في هذا السياق، تكتسب كلمات محمود درويش معنى يتجاوز الشعر. فالشهداء، في التجربة الفلسطينية، لا يغيبون لأنهم يتركون خلفهم ذاكرة جماعية تقاوم النسيان. إنهم لا يصبحون مجرد أسماء في قوائم الضحايا، بل يتحولون إلى جزء من السردية الوطنية، وإلى شاهد دائم على ما جرى.

ولذلك، فإن معركة الذاكرة ليست أقل أهمية من معركة البقاء. فالتاريخ يعلمنا أن مشاريع الاستعمار والإبادة لا تنتهي عند السيطرة على الأرض، وإنما تمتد إلى السيطرة على الرواية. ومن ينجح في كتابة التاريخ، يملك القدرة على إعادة تعريف الضحية والجلاد، والجريمة والعدالة.

لقد شهد العالم خلال العقود الماضية مآسي كبرى، لكن التجربة الفلسطينية تكشف اليوم بعدًا إضافيًا يتمثل في محاولة إنتاج النسيان بصورة ممنهجة. فاستهداف الصحفيين، وتدمير الجامعات، وإحراق الأرشيفات، وقصف المراكز الثقافية، واحتجاز جثامين الشهداء، ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سياسة تهدف إلى قطع الصلة بين الشعب وذاكرته.

ورغم ذلك، فإن الفلسطينيين يقدمون نموذجًا مختلفًا. فكل شهيد يحمل اسمًا، وصورة، وحكاية، وعائلة، وحلمًا لم يكتمل. ولهذا تفشل محاولات تحويل الضحايا إلى أرقام. إن الرقم قد يُنسى، أما القصة فتبقى، وتنتقل من جيل إلى آخر، لتصبح جزءًا من الوعي الجمعي الذي لا تستطيع القوة العسكرية القضاء عليه.

بعد مرور 1000 يوم من الحرب، لم يعد السؤال يقتصر على عدد الشهداء، بل أصبح يتعلق أيضًا بما تبقى من النظام الدولي نفسه. فحين تتكرر مشاهد قتل المدنيين، واستهداف الأطفال، والعاملين في المجال الصحي، والصحفيين، وعمال الإغاثة، دون مساءلة فعالة، فإن الأزمة تتجاوز حدود فلسطين لتصبح اختبارًا لمصداقية القانون الدولي الإنساني، ولمفهوم العدالة الذي تأسست عليه المؤسسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.

إن العدالة لا تُقاس فقط بإصدار البيانات أو بعقد المؤتمرات، بل بقدرتها على حماية الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها. وحين تعجز المنظومة الدولية عن وقف الإبادة أو محاسبة مرتكبيها، فإنها لا تخذل الضحايا وحدهم، بل تضعف الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه.

ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم درسًا متكررًا: قد تنتصر القوة مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تنتصر على الذاكرة. فالشعوب التي تحفظ أسماء شهدائها، وتوثق جرائمها، وتورث روايتها لأبنائها، تمتلك قدرة استثنائية على مقاومة المحو.

لهذا، فإن مسؤولية الأحياء اليوم لا تقتصر على إحصاء الضحايا أو تشييع الشهداء، بل تمتد إلى حماية ذاكرتهم من التزييف، وتوثيق جرائم الإبادة، والدفاع عن الحقيقة في مواجهة حملات التضليل، حتى لا تتحول المأساة إلى مجرد فصل منسي في أرشيف السياسة الدولية.

لقد أدرك محمود درويش هذه الحقيقة عندما كتب أن الراحلين يتركون أنفسهم فينا. واليوم، بعد نحو ألف يوم من الحرب، تبدو هذه الكلمات أكثر واقعية من أي وقت مضى. فالشهداء الفلسطينيون لم يغيبوا؛ إنهم حاضرون في ضمير أمهاتهم، وفي عدسات الصحفيين الذين خاطروا بحياتهم لنقل الحقيقة، وفي دفاتر الأطفال الذين فقدوا مدارسهم، وفي الركام الذي ما زال يشهد على جريمة لم تنتهِ بعد.

ربما تستطيع الإبادة أن تهدم مدينة، وأن تمحو حيًا، وأن تقتل آلاف البشر. لكنها تعجز عن محو الذاكرة حين تتحول إلى ضمير جماعي. وعندما تصبح الذاكرة شكلًا من أشكال المقاومة، فإن الشهداء لا يكونون نهاية الحكاية، بل بدايتها.

إن السؤال الذي سيطرحه التاريخ لاحقًا لن يكون: كم كان عدد الشهداء؟ بل سيكون: ماذا فعل العالم وهو يشاهد شعبًا كاملًا يُستهدف في وجوده وذاكرته ومستقبله؟ وعندها، لن تكون ذاكرة الفلسطينيين وحدها هي التي ستجيب، بل ذاكرة الإنسانية بأسرها.

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط