تاريخ النشر: 2019-02-22 | 19:40
تاريخ النشر: 2019-02-22 | 19:40
كلما حل شهر فبراير اعادت لي الذاكرة حدثا قوميا هاما سجل في صفحات التاريخ السياسي العربي المعاصر ففي 22 فبراير عام 58 تم اعلان الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة .. اول دولة عربية وحدوية مناهضة للاستعمار وللكيان الصهيوني في العصر الحديث وصفها الرئيس عبد الناصر حين إعلانها بقوله دولة تحمي ولا تهدد ..تصون ولا تبدد ... في ذلك العام كان عمري اثنا عشر عاما وفي الفصل السادس الابتدائى بمدرسة صلاح الدين بمدينة غزة لكني عشت تلك الأيام الجميلة التي مرت بها عموم المنطقة العربية بكل مشاعري الوطنية تماما كابناء شعبنا من الرجال والنساء من مختلف الفئات الاجتماعية ومن مختلف الأعمار .. كان المذياع في ذلك الزمن الجميل هو وسيلة الاتصال بالعالم ومعرفة ما يدور فيه من أحداث ..كان هو أيضا الوسيلة لاكتساب الثقافة الوطنية بما يبثه من أخبار وتعليقات وأغان وطنية تشحن النفوس لذلك كنت دائم الاستماع للمذياع الكبير الموجود في غرفة الضيوف مستمتعا بالأغاني الوطنية خاصة اغنية : انا واقف فوق الأهرام ..وقدامي بساتين الشام ..اغنية جميلة راجت كثيرا في تلك الأيام وكانت الإذاعات المصرية القاهرة و صوت العرب تبث إذاعتها دوما ...لم تكن الإذاعة المرئية أي التلفزيون قد اشيع استعماله في ذلك الوقت فغالبية البيوت في الشارع الذي نقيم فيه في حي التفاح كانت تخلو منه لذلك اعتاد الناس الالتفاف حول المذياع لسماع خطاب جمال عبد الناصر الذي كان يستمر لمدة طويلة ..
في كل شارع كنت أمر منه مساءا عائدا إلى البيت كنت اسمع صوت عبد الناصر أيام الوحدة يعلو في كل مكان ..كان يلعلع ذلك الصوت المعروف المألوف جيدا في البيوت والدكاكين والمقاهي وفي سيارات الأجرة وأذكر أن والدي رحمه الله كان يشتري بطارية جديدة للمذياع عند قرب الإعلان عن خطاب جديد و غرفة الضيوف في تلك الليلة كانت تمتلىء بالإقارب والجيران ممن لا يملكون ثمنا لشراء المذياع أو تجديد بطاريتة ... في تلك اللحظات كنت انظر الى وجوههم واحدا واحدا وانا أمد لهم كؤوس الشاي فلا أرى فيها إلا أسارير منفرجة علامة على البهجة والرضا .... بعد إعلان الوحدة المصرية السورية صعد نجم عبد الناصر في الوطن العربي شاعت عبارة : من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر. .لبيك عبد الناصر وهكذا صورته أزدانت بها كل الجدران وعلم الجمهورية العربية المتحدة الذ ي تتوسطه نجمتان باللون الأخصر يرفرف في كل مكان ويرفع صباحا في المدارس الثانوية مع ترداد عبارة : عاشت الجمهورية العربية المتحدة وعاشت فلسطين عربية حرة ...في يوم الانفصال عم الحزن الشديد قطاع غزة .. بكى بعض الرجال في شارعنا خاصة خالي أبو صقر الذي كان مولعا بحب عبد الناصر واخذ يلعن مأمون الكزبري الذي قاد الانفصال هو وزمرته ممن تضرروا بالقوانين الاشتراكية وتحالفوا مع قوى الرجعية العربية بينما الحاج يوسف صديق الوالد الذي كان يسمع خطاب عبد الناصر في غرفة الضيوف عندنا في البيت اشاد بشكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية قبل قيام الوحدة ..لقد سماه عبد الناصر بالمواطن العربي الأول لتخليه عن منصب الرئاسة طواعية بعد إعلان الوحدة .. بعد الأنفصال لم تعد الإذاعات المصرية تبث اغاني الوحدة فأختفت عن الإسماع اغنية انا واقف فوق الأهرام وقدامي بساتين الشام ولم تعد غرفة الضيوف في بيتنا تمتلىء بالرجال من الأقارب والجيران وأصبح والدي رحمه الله يقضي سهرته في ديوان العائلة ..
لكن علم الوحدة ظل يرتفع فوق كل الساريات في المباني والمؤسسات الحكومية واسم الجمهورية العربية المتحدة ظلت مصر متمسكة به كاسم للدولة سنوات بعد الانفصال وأمل الوحدة العربية ظل باقيا في الوجدان والضمير العربيين من الخليج إلى المحيط كطريق وحيد لتحرير فلسطين ...