تاريخ النشر: 2018-12-20 | 22:05
تاريخ النشر: 2018-12-20 | 22:05
علاقتي بالمسجد علاقة تاريخية ما زلت محافظا عليها كمكان يجسد الخصوصية الدينية لمجتمعنا الفلسطيني العربي المسلم وذلك رغم استرشادي بالفكر الاشتراكي العلمي الذي يرى في الفكر انعكاسا للواقع وقد يحضرني في ذلك الآن عبد الخالق محجوب أحد زعماء الحزب الشيوعي السوداني الذي كان من رواد المساجد حيث يلقي فيها بعض خطبه العمالية النقابية ... بدأت علاقتي بالمسجد منذ طفولتي المبكرة وقد عمقت هذه العلاقة وجود بيتنا قريبا من مسجد الايبكي الواقع في حي التفاح بمدينة غزة هاشم وكان يفصله عن جدار المسجد بيت واحد فقط فخطوات المصلين في الفجر وهي تطرق الشارع الترابي كانت تتناهى إلى سمعي حتى وانا اتكوم تحت لحاف محشو بقطع من الملابس البالية .. خطوات الحاج عبد الله كانت مميزة عن غيرها من خطوات المصلين لانها تحدث مترافقة مع صوت وقع عكازه الأسود الطويل على الأرض اما مؤذن المسجد الحاج إسماعيل فقد كان صوته معروفا لسكان البيوت المجاورة يميزونه عن غيره من الأصوات .. صوت رفيع ممدود يتناسب مع شكل قامته التي يغلب عليها الطول والنحافة في حين العم رضوان جارنا القريب اسمع صرير باب بيته الخشبي الكبير الذي يصدر صوتا مزعجا. .خطوات وأصوات كنت اسمعها في كل فجر توقظ احساسي بأن موعد الذهاب إلى مدرسة الإمام الشافعي الابتدائية بات قريبا لكن برد الشتاء القارص وصوت الريح المزمجرة الذي يهز أسلاك أعمدة الكهرباء بعنف يجعلني أتريث في الخروج من تحت اللحاف الثقيل المملوء (بالشرايط ) حيث لم تكن في تلك الأيام في أسواق غزة أغطية نوم ناعمة كما هي موجودة الآن ..ذات يوم ما زلت أذكره بعد أكثر من خمسة وستين عاما ولم أكن حين ذلك قد بلغت السادسة من عمري دخلت فيه مسجد الايبكي متتبعا وراء أحد رجال الحي وكان شابا يافعا قويا له شارب رفيع يزين هيئته خاصة عندما تنفرج أسارير وجهه الأبيض العريض التي على أثرها تتضح بجلاء أسنانه البيضاء المنتظمة بدون فراغ وحينما بدأ بصلاة ركعتي السنة تحية للمسجد وقفت وراءه تماما وأخذت أفعل كما أراه يفعل وكان ذلك في الركعة الاولي وحين اتمها وبدأ في الركعة الثانية أحسست بيد قوية دافئة خشنة تسحبني من ورائه برفق دون أن ينبس صاحبها بكلمة واحدة وكان ذلك اول عهدي بأداء فريضة الصلاة في المسجد .. تمر الأيام والشهور والإعوام بسرعة كعادتها وتتغير الخطوات والأصوات فيتوفى الحاج عبد الله ولم يعد أحد في الزقاق الضيق المؤدي للمسجد الذي يمر من أمام بيتنا يسمع خبط عكازه الأسود الطويل كما يتوفى بعده بسنوات المؤذن إسماعيل وينسى سكان البيوت المجاورة صوته الرفيع الممدود الذين كانوا ينتظرون سماعه بفارغ الصبر عند اقتراب وقت الإفطار في شهر رمضان اما بيت العم رضوان الطيني الكبير الذي أصبح قديما ومائلا للسقوط فقد أزيل بكامله وبنى ابنه الكبير الذي يعمل في السعودية مكانه بيتا بالاسمنت له باب من الحديد يوجد بالقرب منه زر كهربائي مثبت بالجدار بإحكام وبذلك لم يعد يسمع الجيران القريبين ذلك الصرير المزعج خاصة في الليل قرب الفجر ...أكثر الرجال كبار السن في الحي من رواد مسجد الايبكي قد توفاهم الله واحدا وراء الآخر وقد توافدت نعوش جنازاتهم فيه . في حين الشاب القوي الذي وقفت وراءه في المسجد ذات يوم في طفولتي المبكرة فقد أدركته حيا بعد عودتي إلى ارض الوطن وذلك بعد غربة قاسية طالت ثلاثين عاما دون انقطاع ..لقدأصبح رجلا هرما ضعيف القوى يتكأ على عكاز من الخيزران وحين أخبرته بتلك الواقعة ضحك ضحكة عالية اختلطت بنوبة سعال خفيفة جافة بانت لي على الفور تجاعيد وجههه وقد خلي فمه من صف تلك الأسنان البيضاء الجميلة التي كانت في أعوام فترة الشباب تزينه ...