كان تاريخ 5 جويلية 1962 هو تاريخ استعادة الجزائر سيادتها الوطنية بعد احتلال دام 130 عام ، وبعد تاريخ من انتفاضات شعبية ومقاومة تلاها اندلاع ثورة التحرير المجيدة عام 1954 ، وقد دأب الجزائريون على الاحتفال بهده المناسبة على مر السنين إلا ان الاهتمام بدا يخفت تدريجيا مع تراكم الخيبات اذ يفترض ان يتوج هذا الانتصار للحظة التاريخية باستحقاقات واقعية ذات اثار جلية تؤكد اهمية الاستقلال وهيبة الدولة وفعالية النظام السياسي .
العصر الذهبي للجزائر كان في فترة الستينيات من القرن الماضي الذي لعبت فيه دورا دبلوماسيا في دعم حركات التحرر في انحاء العالم والهام المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار للنضال وتقرير مصيرها ، في تلك الفترة كانت الجزائر ايقونة التحرر بلا منازع وهي ما تزال حتى الان في كتابات المؤرخين لتلك المرحلة ، لكن لسبب او لأخر على المستوى الداخلي لم ينجح جيل الثورة في التواصل مع الجيل الذي لم يشهد تاريخ الثورة من ناحيتن : الذاكرة النقلية الشعبية التي نقلت للأجيال تجارب شخصية وليس صور كاملة عما حدث وعلى الارجح نقلت شيئا من الحياة الاجتماعية ومظاهرها ومعاناة الشعب الجزائري في ظل الاستعمار وبعض بطولات المجاهدين ، ومن ناحية ثانية الذاكرة المؤسسية التي عملت على تمجيد الثورة وتحويلها الى شكل رمزي اكثر من كونها قصة نضال تستدعي مشاعر الفخر والعزة ومن ثم التأثير في وجدان الاجيال التي لم تشهدها وتثمين الاستقلال ، فضلا عن التأريخ لمرحلة الثورة الذي كان يعاني من ازمتين اما التمجيد المطلق او التركيز على حالات صدام واقتتال داخلي بين الثوار بهدف تشويه صورة الثورة ، ويبدو ان ان الكتابات التاريخية الاكاديمية لهذه الفترة تعد ضئيلة مقارنة مع ضخامة الحدث .
من ضمن الامور التي زرعت الخيبة هو قدرة الدولة الناشئة على خلق قيم رمزية تشكل خلفية هامة تدعم التماسك الوطني والهوية القومية ، ويكون ذلك من خلال تحقيق انجازات تنموية واقتصادية وسياسية تجعل الجزائريين يشعرون بالاعتزاز لانتمائهم للوطن اضافة الى تأكيد على مرجعياتهم الدينية واللغوية وقيمهم التي تميزهم عن باقي الشعوب ، لكن ما حدث لم يكن يصب في هذا الاتجاه بل حدث العكس اذ ان السياسة الثقافية اليعقوبية التي تم اتباعها بعد الاستقلال مباشرة والتي تمثلت في تعريب هياكل الدولة اصدمت مع البيروقراطية الموروثة من الفترة الاستعمارية والتي عملت على عرقلة طموحات الحكومات الحديثة ، كما ان النجاحات في المجالات المختلفة كانت متواضعة إلا لم تكن تحسب ضمن الاخفاقات .
اذ ان رؤية السياسيين في ذلك الوقت لتعزيز الاستقلال تركزت فقط في المجال الثقافي مهملة التبعية الاقتصادية ، وفكرة بناء الانسان ذو الشخصية المكافحة كشرط ضروري لأحداث تنمية شاملة ، والأمر لم يتغير مع تعاقب الحكومات وتغير الحقب بل ازدادت الامور سوءا ، فمن سيهتم للتاريخ وهو يحظى بحاضر سيئ على كل المستويات ؟ ومن سيتذكر انجازات وبطولات القدماء في حين ان الواقع لا يرقى لذلك ؟
الاحتفال بالمناسبات الوطنية اصبح محتشما ورسميا دون ان يرافقه أي حماس او تجاوب شعبي مع مرور الوقت ،و اصبح يقتصر على بيانات يلقيها المسؤولون عن المناسبة اضافة الى الترحم على ارواح الشهداء ، المأمول ليس احياء التاريخ ليستبدل الحاضر ولكن ان نستمد القوة والروح الايجابية من افضل انجازاتنا على الاطلاق وهي تحقيق الحرية لاستكمال المسار لبناء دولة قوية ، ودعم الشعوب التي مازالت تعاني من الاحتلال حتى الان .