الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

في ذكرى رحيلها .. فدوى طوقان وآيريس مردوك ( المتوكل طه )

في ذكرى رحيلها .. فدوى طوقان وآيريس مردوك ( المتوكل طه )

تاريخ النشر: 2016-12-14 | 13:52

حضارتان: روائية تعترف .. وشاعرة تحذف

الصمت كاملاً، كان، عندما أنهت "آيريس مردوك" ضياعها القصير والأخير. وكانت الانفجارات تملأ المكان وتعبئ الهواء الملغوم أصلاً، عندما أسلمت فدوى طوقان روحها للسماء.

ربما لم يبتعد موت الأولى عن الثانية كثيراً، فلقد عاشتا الزمن نفسه، هذه في بريطانيا العظمى وتلك في فلسطين الأعظم. وأيريس روائية فيلسوفه، وفدوى شاعرة حالمة، قطعتا القرن العشرين، الباذخ بأغنيات القبّرة، في ذلك النهار الإنجليزي المشرق بالهواء، والمطهم، كذلك، بمظلمة القرون جميعها، والتي جعلت ميدانها من البحر إلى النهر المقدّس.

غير أن آيريس كانت تحب أغنيات أمِّها، بل وترددها في تلك الأمسيات العابقة بوهج الشراب والشباب، أما فدوى فلقد أصابها رُهاب اليدين اللتين أزاحتاها إلى عتمة الحسرة، والتنابز بصفات الموتى المبعوثين، قسراً، إلى تلك القلعة المحكومة بالعمّة الغليظة والأشقاء الغيورين. وإذا تيسّر لآيريس أن تشقّ الطريق اليانع بدراجتها الهوائية، ويعلق الزيتُ الشاحمُ الأسود بعرقوبها الشمعي، فإن فدوى لم يتيسّر لها أن تلتقط تلك الفُلةَ البيضاءَ، أو أن تدفنها كالمومياء الصغيرة بين دفتي كتابها.

وبكل تأكيد، فقد ابتهج ذلك الضبابُ الودود، وهو يشهد جسد مردوك وهي تتعرى، تماماً، لتنغمس في ذلك الماء الحليبي، مع حبيبها، ليزدادَ العمقُ بياضاً وحرقةً.

أما فدوى فلم تتمكن من كشف ذراعها النحيل.. لهذا استطاعت الروائية البريطانيةُ أن تعترف، لمنْ أصبح زوجها، أنها افترعت غير رجلٍ، بل أكدت له أن عرق الخطيئة مازال نافذاً في المكان، حيث ركبت ذلك الناقد الأدبي على فراش الزوجية.. غير أنها بررت افتراعَها لأولئك الرجال بغير سببٍ، إذ كان واحداً منهم سيذهب للحرب، وعليه، لا بُدّ لها من أن تزوده بزبدة الجسد الأخير.

وربما تكمن مهمة الروائي في التقاط "الغرابة" الكامنة في الناس! والأغرب أن الروائيين أنفسهم ينسون أن فيهم غريباً وغرابةً، بمعنى أن آيريس التي أصابها الزهايمر، أواخر سنيّ حياتها، كانت تحبّ المعادن المهترئة، مثلما تحبّ النساء اللواتي شاركنها الفِراش، في وقت مبكّر من حياتها، رغم أنها لم تكن " مثليّة" تماماً، وكان بيتها متّسخاً فوضوياً، تخاف على النوافذ من الحيوانات الأليفة التي تحبّها، كما كانت تهجس خوفاً من الجنون فتقول: كيف لنا أن نعرف أننا أُصبنا بالجنون ونحن نعيش في عقولنا؟ وتجيب نفسها: لا بأس، سيخبرنا الناس..! أما فدوى فقد اعتصمت بالصمت، بل نرجّح بأنها لم تساحق امرأةً، لكنها، ربما، حلمت، في يقظتها بالجنون! وبالتأكيد، كانت تراودها أفكار مجنونة لم تعترف بها، مثلما لم ترتكبها ولم تجرؤ، علانيةً على الأقل، أن تجترحها أو أن تسرّ لأحدٍ بها.. ذلك لأن آيريس كانت تنتمي لذهنية الاعتراف القادمة من طقس ديني، فيما ولدت فدوى من ذهنية الحرام والعيب والممنوع. عدا عن أن التي تستطيع أن تتعرى جسدياً أمام العيون، تستطيع أن تكشف عن آبار نفسها المعتمة، وتدلح ما فيها دون حرج.. لهذا فإن شخصية آيريس مضاءة أكثر بكثير من شخصية فدوى، التي ولدت وعاشت وماتت في الظل الثقيل.

ولعل هذا الانكشاف الساطع وهذه الصراحة البالغة في حياة آيريس.. جعلت حياتها أكثر إثارة ودرامية وامتلاءً، وطبعت رواياتها بالسّر الغاوي، وصعدت بها إلى الذروة والبعيد، فيما ظلت فدوى أسيرة المحيط المحدد، مكاناً وزماناً، والمسقوف أصلاً بالعتمة والنمط والمتوقّع.

وآيريس التي، عندما تتحدث عن الحبّ، تبهرنا باعتباره قيمة عليا ولذّة طاغية، فإن فدوى، المرأة التي لم تتزوج، تحدثت عن الحبّ في مناخ محرج، وواقع لم يتعوّد أفراده الكلام عن الحبّ، باعتباره "العيب" وسبب المهالك والفضائح ومقارفة الذنوب.. لقد لوّحت فدوى بالحبّ وتحفّظت معه ولمّحت به.. بل لم تنطق باسم الذي عشقته يوماً. أما مردوك فقط صوّحت واستطعمت وبذلت حمائمها كاملة للأفعى.

أي أننا أمام امرأتين: آيريس التي قالت كل شيء واستنهضت المختبئة التي في داخلها، وعملت على تفكيكها ونشرها وإضاءتها، وتحميلها الظلال التي ينبغي أن تحملها معها كالشراع.. وفدوى التي لا تبوح، وتحذف أكثر مما تقول، وتقف بين الإشارة والعبارة، ولم تُصرّح، ولم تواجه، بل ولم تسأل كثيراً أو جديداً.. لهذا خرجت الروائية من آيريس دون انتقاص، وبقيت هناك شاعرة لم تخرج من فدوى، ولن تخرج أبداً.

وهنا، أجدني منحازاً تماماً، وربما للمرة الأولى في حياتي، لأن نقول كل شيء، مهما كان هجيناً أو غريباً أو شاذاً، وأن لا نضع لجاماً على أسنّة أقلامنا، مهما تكن النهاية، وأن نكتب جنوننا، ونغوص في عتماتنا، ونكشف ظلالنا وشهواتنا، ونعترف بنقاط ضعفنا، تلك النقاط التي تكشف عن إنسانيتنا الحقّة، وتجعلنا أكثر كثافة وصدقية، وتساعد الجميع على اكتشاف مهابطه وهزائمه، ليتجاوزها.. إن كان ذلك ضرورياً.

إن وعينا، وحتى في شيخوخة الكثير من مبدعينا، هو وعي كوميدي سطحي، لم يجترئ على كسر قشرة البيضة الفاسدة.. لهذا انتهى معظمهم سريعاً.. وماتوا تماماً.

وعلى أية حال، فإن اختلاف المبدعتين آيريس وفدوى، يبدو طبيعياً، لأن كل منهما صدر عن "حضارة" و"ثقافة" و"واقع" مغاير.. وهذا ما يفسر انفتاح واحدة وانغلاق أخرى، إلاّ أن آيريس المحظوظة وجدت الأرض الراسخة والقوية التي احتملت اعترافاتها ودعواتها، ويسّرت لها عبقريتين فنيتين هما "كيت وينسلت" و"جودي دنتش" ليكونا استطالة مشعّة لتلك الحياة المليئة بالحياة، بدءاً من أغنيات القبّرة والنبيذ، وانتهاءً بملاحقة نعش صديقتها، وضياعها في شتاء الدروب والنسيان الكامل.. أما فدوى، المظلومة حتى الساعة، فإنها لم تجد صحيفةً تنشر خبراً صغيراً عن قصيدة كانت تخبئها، في يدها المعروقة، مثل أيقونة الساحر الجوّال، الذي نسيه الناس، بعد أن حمل صندوقه الخفيف، وغاب في الطرقات.

 

 

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط