الأرض رواية لم تنته فصولها بعد... ولأرضنا ذكرى تتجدد لصراع مرير بين طائر الفينيق ودورات الرماد.. بين الرسالات والخرافات.. بين كنعان المؤسس و(العابرون في كلام عابر).. بين (الرمح وكبد الغزال الفلسطيني).
الأرض ذكرى تتجدد كل عام لكنها تطوف مع دورتنا الدموية أبدا وتترسخ في جيناتنا ما عشنا وما عاش أحفادنا الى الأزل.
الأرض... أرضنا أرض الأنبياء... أرض رمالها الحزينة المحتلة... أيضا ستائر على عورات ذوي القربى!!
الأرض أرضنا، لم تزل تميد... لا تهجع ولا تغفو، صامدة وتقاوم.. لم تتوقف مراراتها في الجليل بعد يافا... لم (تكفكف آلامها) في دير حنا وعرابة وسخنين بعد كفر قاسم وقبية... لكنها لم تزل تجرّد حسامها من غمده، فالزحف الصهيوني مستمر عنصرية وارهابا واستيطانا وتهويدا واغتيالا وتطهيرا عرقيا ولا اعلان عن محطة وصول!! الشهداء يرتقون و(الأقفاص) وسيرة أيوب تستمر!
في ذكرى الأرض... كل شيء يمكن ان يُرمى خلف الظهر أو اعتباره من الماضي إلا الأرض، الأرض مهد الكرامة والعطايا وكل شيء تجرحه يؤذيك الا الأرض فإنها تعطيك كما يقول المثل التونسي.
الأرض... أرضنا أرض الثورة... و(دول المدينة) وأطياف السالفين منا، والنذير المطل من عيون الغربان في كثبانها المحتلة لمشروع (الكومنولث العربي) تحت (التاج العبري) تحت خيمة السلام الاقتصادي و(الهام) جابوتنسكي!
الأرض.. أرضنا أرض الشهداء والأبطال، وأيضا (خبراء) صناعة الشمس من زبد وردي في السراديب.. أرض السنابل والزعتر والزيتون... والنفايات المشعة من نفايات وافدة ومخلفات (أبناء التلال) آخر الموجات الفاشية المستعمرة لأرضنا ولبقايا القانون الدولي.
ذكرى الأرض... وفي الأرض مناعتنا الجغرافية والتاريخية... في الأرض قوتنا وقوّتنا وحين يعزّ السلاح فإن حجارة الأرض سلاحنا... فمن حجارة الأرض كانت انتفاضاتنا وستبقى مشتلا لأحلامنا ما بقي محتل واحد على ثرانا وما دام ثمة كيان مسبق الصنع جاثم فوق وطننا، وطن نسجه مغزل التاريخ من فجر التاريخ كنعانيا عربيا، وان ارتسمت حدود ظالمة عابرة فإن (المياه الجوفية) في ثنايا الأرض ستنطلق عيونها يوما لتأخذ السدود والجدران والرسوم والخرائط الطارئة في مجراها.
ذكرى الأرض... ذكرى 30 مارس 1976 ذكرى سرب من الشهداء الأبرار على أرض الجليل، ذكرى رجا ورأفت وخضر وخديجة وحسن وخضر ياسين... وأيضا ذكرى كل شهداء القرن منا الذين سقطوا من أجل الأرض وهوية الأرض وطين الأرض حيث ميلادهم ومرقدهم الأبدي.
ذكرى الأرض.. ذكرى كارثة الوعد الأسود وبلفور بحق الأرض... ذكرى (المخدوعون) و(رجال في الشمس).. ذكرى موجات المشردين والغارقين في البحار البعيدة، والمضيّعين، والمكافحين لتضميد الكرامات الجريحة والظفر يوما وحتما ببطاقة العودة الأخيرة الى وطن معقّم وجميل كما كان... الى فلسطين.
ذكرى الأرض.. ذكرى وطن كان يرتشف من البحر حضارته ومن (المهد) والناصرة والنهر الترتيل الرقيق للسيد المسيح: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام.
ذكرى الأرض.. ذكرى وطن عرج نبيه من الأقصى وصدّر التسامح والمحبة والإخاء وشمس العدل حيثما تصل ضياؤها وبركاتها.
ذكرى الأرض... ذكرى أرض لم ولن تشيخ روحها وربيعها وان شاخ زمانها العربي وشاخت نوارسه وذئابه، لم ولن يكون شطرا يستحيل الى (جرف قاري) او نفق هنا وجزيرة أو جيب هناك، كيفما تقافز المتواثبون الى (العرش) وكيفما اسكتت اناشيد الجنود واستؤصلت حناجرهم وأعطبت (بواريدهم)... أو كيفما استطالت (لحيّ) واستدارت عن علم البلاد نحو رايات وافدة (مظلمة) من خلف الخطوط... سيمضي المتوثبون والخلود لفلسطين الواحدة الممتدة من آخر قطرة في مياهها الاقليمية على البحر المتوسط الى آخر قطرة ونخلة على الكتف الغربي لنهر الأردن.
في ذكرى الارض... في زمن الرحيل المذل للغزاة والمستعمرين من كل أرض... في أمن اعتراف الجنرالات و(العسكريتاريا) بجرائمهم بحق الارض ومن عليها من أمم استعمرت... واعتذاراتهم عن قتل الملايين ظلما وعدوانا في سبيل مصالح انطوت مع الضحايا ولم تمح ندوبها زمانا ومكانا... واصل الغرب تسديد سياساته وبرغم ـ رداءة التنكري ـ لإحالة الأرض، أرض فلسطين الى قاعدة تحرس معها كيانها ومشروعها الاستيطاني الاستعماري الاخير في الدنيا ضمانة لمصالح قلقة وفي مهب الريح... و(لأمن) تقاتل عبثا لتغريزه فوق أرضنا بمسلة(مبعوثين ورسل) وإطار يتلوه اطار ومرجعيات امريكية تمحو مرجعيات (الشرعية الدولية)... مفاده: على أرض فلسطين السلام... ومآل مستحيل هو الضياع و(البكاء على صدر الحبيب المجهول) والعوم في الأمازون بين رفات قبائل اتشيروكي الهندية الحمراء فتلك نزاهة الغرب، وتلك هي (امريكا) الوسيط الاكثر عداوة في سياساتها نحونا والقاضي الأكثر انتهاكا للقضاء والقانون الدولي... والكارثة الاخلاقية التي لا تنحدر اليها كارثة تجاه ارضنا وقضيتن
في ذكرى الأرض... الواقعية لا تعني التسليم بالارض بل منذ متى كان التسليم بالارض (واقعية)... الواقعية لا تعني السلام القاتم على اطلال ارض وشعب وعرق وهوية... لا تعني دفعنا نحو الانتحار السياسي بمطاردة الظلال وخيوط الدخان والأوهام... الواقعية لا تعني النأي بالنفس والقدس محتلة... الواقعية لا تعني ترك الحصان وحيدا في حلبة الذئاب والضواري تحت شعار النأي بالنفس وليت الحصاد وعبر سنين وسنين لم يكن نزيفا ومناكفات وجر العربة الى الخلف وتعظيم الهموم... فلا نجدة للحصان جرت ولا أنقذت العربات من العثرات والمهاوي...
في ذكرى يوم الارض... هم سيرحلون... مثل كل الغزاة والمستعمرين الذين رحلوا سيرحلون... بقوة الشهداء والصمود الاسطوري لشعبنا سيرحلون... بالقوة الاخلاقية للبشرية حين تعتدل قامتها سيرحلون... (سيبحرون) من حيث أتوا وسيرحلون... سيركع جنرالاتهم امام حقائق التاريخ ومصائر الامبراطوريات السالفة ونهاياتها ولن تكون امريكا استثناء سيتأكدون من صحة المثل الشهير عندما تتهاوى الشجرة الكبيرة تسقط كافة الاعشاش التي بداخلها... ولن يبقى في واديك الخصيب يا أرضنا الا حجارته.
سيرحلون... غريبة هي الأرض ومحيطنا عنهم لغة وتاريخا وثقافة وحضارة وأحلاما... سيرحلون.
في ذكرى يوم الارض، لبلدنا واجدادنا منا السلام، لأرض الصمود والبطولة منا العرفان والحب والحنين ووردة على صدر القدس من شعب لم ولن يعرف المستحيل يوما في سبيلها وان طال الظلام والخذلان... فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة وعلى هذه الارض ما يستحق الفداء كما ينص نشيدنا الوطني.
ومثل كل الغزاة والمستعمرين يوما ما سيرحلون