تاريخ النشر: 2023-10-14 | 10:22
تاريخ النشر: 2023-10-14 | 10:22
ما دامت الحرب التدميرية الوحشية اللاإنسانية قد انطلقت، مستهدفا شعبا أعزلا محاصرا من عدة سنوات؛ وذلك في ظل صمت حكومات وتجمعات ومنظمات وشعوب أصابها موت الضمير الا من رحم ربي. وقد جاءت هذه الحرب ردا على ما أسماه الفلسطينيون " طوفان الأقصى" عبر عملية تسمى عسكرية، الا انها في الحقيقة هي محاولة سعي وبحث عن حياة. وتحديدا بحثا عن ماء نظيف وطعام صحي وحرية حركة سواء كانت برية او بحرية او جوية. معتقدين بانها إنجازا أو حلما وهي في الحقيقة من أبسط الحقوق المكفولة لكافة شعوب الأرض.
هذه الحرب التي وصف فيها قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"؛ وانني اري لا غرابة في هذ الوصف. فممارساتهم على الارض على مدار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من سرقة أراضيهم وقتلهم واعتقالهم وتدمير مقدساتهم وحصارهم ومنع الماء والعلاج عنهم؛ يوحي بما لا داعي للشك ان دولة الاحتلال الإسرائيلي تتعامل مع الشعب الفلسطيني بأنهم "حيوانات بشرية" فما الغرابة عند المستغربين من هذه التصريحات!
الا ان اللافت في هذه الحرب ان دولة الاحتلال الإسرائيلي تمارسها على الشعب الفلسطيني الأعزل، (نعم اعزل). فعلى الرغم من وجود رجال مسلحين ببعض الأسلحة الخفيفة، الا ان هذا لا يعني اطلاقا بأنهم قوة عسكرية؛ وهذا لا يمثل راي الشخصي كوني فلسطيني، بل هذا ما يقوله المنطق في علوم التاريخ والسياسة والامن. فما يمتلكه الفلسطينيون من أسلحة قد يكون اقل بكثير مما تمتلكه عصابة مافيا في احدى الدول الأوروبية او دول أمريكا اللاتينية. الا ان هذه العصابات (المافيا) تعيش في بلادها بأمن وسلام، لقناعة المؤسسات الأمنية في بلدانهم الأوروبية واللاتينية ان القدرات العسكرية الخاصة للمافيا ذات تأثير ضعيف من منظور فهم المؤسسات الأمنية والعسكرية في بلادهم.
وبعيدا عن القراءات الأمنية والعسكرية لهذا العدوان على غزة، الا اننا يجب ان نعترف بان دولة الاحتلال الإسرائيلي نجحت في الحفاظ على صداقاتها مع الأوروبيون على مدار عشرات السنوات؛ سواء مرحلة ما قبل تأسيس دولتهم او اثنائها او بعدها. صحيح ان معظم الدول الأوروبية تؤمر من قبل الإدارات الامريكية على مدار عشرات السنوات وفي العديد من المواقف والازمات الدولية. الا ان هذا لا ينقص من حقيقة نجاح المؤسسة الإعلامية والدبلوماسية الإسرائيلية في تعزيز المواقف الأوروبية الداعمة لها، وذلك يرجع لامتلاك قادة السياسة الخارجية في دولة الاحتلال الإسرائيلي رؤية استراتيجية ومنظومة عمل دبلوماسي متطورة وتعمل بشكل مهني احترافي.
وهذا الشيء كان واضحا في ظل تسارع الموقف الأمريكي والأوروبي الدعم لدولة الاحتلال الإسرائيلية بشكل فوري وسريع وبكافة الطرق. وهذا يجعلنا نتساءل ما دام جزءا من الصراع في أصله دبلوماسيا ماذا فعل الفلسطينيين من اجل ذلك؟ سواء على مستوى السلطة الفلسطينية او الأحزاب الفلسطينية، او حتى ممن يطلقون على أنفسهم نخبة فلسطينية، وأخيرا الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية المنتشرة في عدد دول العالم؟
للأسف اقولها من باب التصحيح لا من باب التجريح، بان أداء السلطة الفلسطينية في الميدان الدبلوماسي لا يرتقي الى حجم القضية الفلسطينية، ولا الى حجم معاناة الشعب الفلسطيني، وإنها تقوم بواجباتها بشكل روتيني بحت وفي معظمها نفعي وفي اضيق النطاقات. كما ان الأحزاب الفلسطينية الكبرى قد أهملت باب السياسة الخارجية بشكل يوضح حالة القصور في فهم أهمية الدور السياسي لدى القيادات في الفصائل الفلسطينية. فقد تمثلت تحركاتهم الخارجية وفقا للمتاح وما ينسجم مع الأيدولوجيات الى حد ما، وهذه الجهود لا تستطيع تسويق قضية إنسانية بحجم القضية الفلسطينية. بينما الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي المتواجدين في دولهم أو المغتربين؛ فجهودهم تأتي على شكل مظاهرات شعبية، وهي بكل تأكيد مشكورة على ذلك، الا انها باتت روتينية ومقروءة لدى قادة دولة الاحتلال، والتي بدوها تعمل على التقليل منها حتى قبل بداية انطلاقتها. لتصبح غير مؤثرة. سواء في قرارات بلدانهم او في قرارات الدول المقيمين فيها. وهنا نقول بان السياسة الخارجية الفلسطينية عليها ان تقوم بخطوات عملية مهنية احترافية ملموسة وذات تأثير حقيقي بعيدا عن الاعمال الروتينية. ولكن كيف؟؟
عند الحديث عن الاليات المناسبة لزيادة النشاط الدبلوماسي الفلسطيني الرسمي والشعبي وذلك في ظل شح الإمكانيات وتعقيدات الظروف، نرسل هنا العديد من الرسائل والتوصيات لكل من يهمه الامر وهي على النحو التالي:
أولا- رسالة الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ادعو الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس الايعاز لكافة السفارات الفلسطينية والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات الفلسطينية الخارجية الفاعلة، ان تبذل جهودا دبلوماسية واعلامية كبيرة، تستهدف الجهات الرسمية وغير الرسمية في الدول التي يعملون وينشطون فيها سواء كانت تلك الدول ذات تأثير كبير كالولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا وفرنسا والمانيا واسبانيا وغيرهم من الدول؛ او من الدول قليلة التأثير، سواء كانت عربية او افريقية وبعض الدول الاسيوية واللاتينية. مع مراقبة الأنشطة والزيارات واللقاءات التي تقوم بها السفارات الفلسطينية، على ان تقوم السلطة بعزل ومحاسبة أي شخصية فلسطينية دبلوماسية مقصرة. كما اوصي الرئيس محمود عباس الى القيام بزيارات مكوكية الان قبل غدا، لكسب الحشد الرسمي والشعبي من دول العالم. الى جانب ان يتقدم الرئيس الفلسطيني باسم السلطة الفلسطينية بطلب لكافة الدول العربية والإسلامية والصديقة بممارسة زيارات مكوكية أيضا لشرح المظلمة الفلسطينية للعالم الاجمع، وذلك بهدف جمع أكبر حشد رسمي وشعبي لمواجهة الرواية الإسرائيلية والدعم الأمريكي اللامحدود. كما اعتقد بان السلطة الفلسطينية عليها ان لا تنصاع لكافة التهديدات الأوروبية القاضية بوقف الدعم عن السلطة الفلسطينية. وان تعلم بان واجبها هو اسناد الشعب الفلسطيني وتبني مواقفه الوطنية. مهما كان الثمن، كما انصح الرئيس الفلسطيني بعدم الانصياع للمطالب الامريكية الساعية الى تحييد الضفة الغربية عن ما يجري في غزة. بل على العكس اوصي الرئيس الفلسطيني ان يشرح للقادة الامريكان والأوروبيون حالة الغليان في الشارع الفلسطيني داخل مدن الضفة الغربية مما قد يساهم بزيادة في حالة عدم الاستقرار. هذه المواقف الفلسطينية اعلم انه من المتوقع ان تلحق بعض الاضرار على ميزانية السلطة مما قد يترتب عليها عجزا جزئيا او كليا في استحقاقات الموظفين، واعتقد بانه شيء مفهوم ومقبول؛ فلا يعقل ان يكون موقف الشباب الفلسطيني المقبل على الحياة في مواجهة التحديات والازمات الوطنية اقوى من موظف السلطة الذي قد يتأخر راتبه او ينقطع لفترات زمنية بسيطة. فشباب غزة تضحي في قوت يومها واعمارها ومستقبلها لا مرتباتها وجيوبها.
ثانيا- رسالة الى سفراء فلسطين.
اخي السفير العمل الدبلوماسي لا يعني امتلاك سيارة فارهة ومرافقين وإمكانيات مالية ومادية ضخمة، فالعمل الدبلوماسي يعني ممارسه كافة الأدوار التي تخدم قضايا الشعوب. ونظرا لخصوصية قضيتنا فإننا لسنا بحاجة لسفير بميزانية للنثريات، وانما نحن بحاجة الى سفير برتبه (ثائر). دينامو لا يهدأ، عبر زيارات تطال كافة السفارات المحيطة به، ولقاءات على كافة وسائل الاعلام المتاحة، فاليوم فلسطين تبحث عن جهود الصادقين، ولكي لا اطيل عليكم، وجهوا انظاركم الى السفير الفلسطيني في المملكة المتحدة “حسام زملط"، ولا عيب ان قلت لكم راقبوه وتعلموا منه ان شئتم.
ثالثا- رسالة الى الأحزاب الفلسطينية.
اعتقد ان هناك بعض الأحزاب تمتلك علاقات مع شخصيات مهمه ومؤثرة في الساحات الدولية، وربما الأحزاب اليسارية تعتبر واحدة من هذه الأحزاب؛ والتي عليها ان تقوم بأدوار مهمه من خلال التواصل مع كافة المؤسسات والشخصيات الأجنبية بهدف إيجاد حالة تضامن دولي كبير واعتقد لديهم القدرة على ذلك.
اما الاخوة في الفصائل الإسلامية التي تمتلك علاقات خارجية محدودة، عليهم تكثيف عملهم الإعلامي والدبلوماسي في الدول التي تمتلك علاقات معها واقصد هنا تركيا وإيران وسوريا ولبنان وغيرهم من الدول الإسلامية. ولكن هنا همسه في اذن أصحاب القرار في حكومة غزة، ففي ظل تعطل إتمام المصالحة الفلسطينية للأسف، والتي أتمنى اتمامها في المنظور القريب، فإنني اعاتبهم عتاب المختص بسبب تهميشهم لوزارة الخارجية الفلسطينية – غزة -، ظنا منهم ان وزارة الصحة والتعليم والحكم والمحلي والأوقاف لهم الأولوية، مغيبين أهمية وزارة الخارجية؛ على الرغم ان الميزانية التي قد تحتاجها الوزارة اقل بكثير من أي وزارة أخرى خصوصا في ظل الدبلوماسية الحديثة " الدبلوماسية الرقمية ". وهنا نقول لهم لا تبرروا حالة الإهمال بانها جاءت بسبب حالة القطيعة الدولية لحكومة غزة، فالقطيعة تتحمل حكومة غزة جزءا كبيرا منه بسبب إصرارها على تصدير الوزارة لشخصيات حزبية معلومة الانتماء والتوجه بمعني انها " محروقة" بالعامية الفلسطينية. هذا بالإضافة الى ان هذه الشخصية قد تكون غير متخصصة في العمل الدبلوماسي من الاساس، وعليه فإنني أتطلع بعد انتهاء هذا العدوان ان تقوم إدارة غزة الحكومية بمراجعات جدية وحقيقية. توصلنا الى إعادة تفعيل دور وزارة الخارجية الفلسطينية مكتب غزة بشكل جدي بالشكل الذي يكون فيه قادرا على مراسلة العالم وشرح الحالة الفلسطينية بشكل احترافي.
رابعا- النخب الفلسطينية.
من الطبيعي ان كلمة "نخبة" تعني انكم تملكون قدرات خاصة سواء في العلاقات الشخصية او اللغات او في حسن استغلال الفرص ، وعليه فإنني ادعوكم الى توجيه رسائل باللغة الإنجليزية مرفق معها صور يومية توضح المجازر الإسرائيلية بحق شعبنا و ذلك لكافة سفارات العالم بشكل يومي والبالغ عددها اكثر من 39 ألف سفارة منتشرة في دول العالم ، فمثلا في مصر لوحدها توجد 189 سفارة ، فما الذي يمنع من ارسال رسائل الى البريد الالكتروني لكل السفارات ، وهذا يعني ان كل دولة سوف يصل الى سفاراتها في العالم ما بين 150-200 رسالة يومية ، مما توجد حالة ضغط حقيقية على الوزارات الخارجية لكافة دول العالم .
خامسا- الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية.
اعلم ما هي ظروف الغربة، واعلم حجم مصالحكم، ولكن من منطلق ظن الخير فيكم. أدعوكم الى الاستمرار في التظاهرات دون توقف، فهذا اقل القليل الذي من الممكن ان تقدموه الى إنسانية تذبح ومقدسات تدنس وارواح تزهق. كما أدعوكم بالرباط على أبواب السفارات الإسرائيلية والامريكية بشكل سلمي ويومي، وذلك بهدف تشكيل ضغوط مباشرة وغير مباشرة عليهم. كما أدعوكم الى متابعة عمل كافة السفارات الفلسطينية والعربية والإسلامية، وفي حال تقاعست تلك السفارات او قامت باي إجراءات لا تخدم القضية والشعب الفلسطيني، فإنني اوصيكم بفضح الشخصية والسفارة المسئولة بشكل علني عبر وسائل السوشيال ميديا على ان تكون هناك ادلة على التقصير ان وجد.
ختاما – هذه الجهود تبقى ذات تأثير كبير رغم بساطتها، ويمكن اعتبارها جولة صراعية قليلة التكلفة. بين الإنسانية من جانب ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جانب اخر. فالقضية الفلسطينية في أساسها انساني بحت. وان باقي الملفات الصراعية هي جزئيات صغيرة تنطوي تحت المنظور الإنساني. فلتكن الإنسانية والحريات منطلقنا؛ وعليه فان كل الأدوات التي ذكرتها وغيرها الكثير مباح.