كانت فرحة آلاف الطلبة الفلسطينيين في قطاع غزة بإعلان نتائج الثانوية العامة هذا العام عارمة، لكونها جاءت من وسط النار، ولكنها فرحة غير مكتملة، فبعد سنوات من الحرب، والنزوح، والانقطاع المتكرر عن الدراسة، نجحوا في اجتياز واحدة من أصعب المراحل التعليمية، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام سؤال أكثر تعقيدًا من أسئلة الامتحان نفسها: إلى أي جامعة يلتحقون؟ وبأي ظروف سيتلقون تعليمهم الأكاديمي؟
هذا السؤال يعكس قلقًا فرديًا، ويختزل أزمة تمس مستقبل جيل كامل. فالتعليم العالي في غزة يواجه تحديات غير مسبوقة بعد تعرض معظم مؤسساته لأضرار واسعة، وتراجع قدرته على تقديم التعليم والتدريب وفق المعايير الأكاديمية التي عرفت بها الجامعات الفلسطينية على مدار عقود.
تكشف الأرقام حجم التحدي. فقبل الحرب، كان قطاع غزة يضم 21 مؤسسة تعليم عالٍ موزعة على 38 حرماً جامعياً، يدرس فيها نحو 88 ألف طالب وطالبة. إلا أن التقييم المشترك الذي أعدته وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية واليونسكو وشركاؤهما أظهر أن نحو 95% من الحُرم الجامعية تعرضت لأضرار، منها 22 حرماً دمّر بالكامل، فيما تضرر 195 مبنى جامعياً وأكثر من 620 مختبراً ومرفقاً تخصصياً، إضافة إلى خروج آلاف الأجهزة والمختبرات الرقمية من الخدمة، مع تقدير الخسائر المباشرة بنحو 373 مليون دولار.
ولم تتوقف الخسائر عند المباني والتجهيزات؛ فقد طالت الكادر الأكاديمي نفسه، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 1100 من أعضاء الهيئات الأكاديمية والإدارية استشهدوا أو تعرضوا للإصابة أو الاعتقال، ما أضعف قدرة الجامعات على أداء رسالتها التعليمية والبحثية.
تأتي هذه الأزمة في وقت يشهد فيه قطاع التعليم انتقال آلاف الطلبة إلى المرحلة الجامعية بعد أربع سنوات استثنائية. ففي عام 2023 تقدم نحو 89 ألف طالب وطالبة لامتحان الثانوية العامة في فلسطين، كان ما يقارب نصفهم من قطاع غزة. أما في 2024، فقد حرم نحو 39 ألف طالب في غزة من التقدم للامتحانات في موعدها بسبب الحرب. وفي 2025 نظمت الوزارة امتحانات استدراكية لنحو 30 ألف طالب، بينما حملت نتائج 2026 وجعًا مضاعفًا بعد غياب أكثر من 1000 طالب عن مقاعد الدراسة نتيجة استشهادهم خلال الحرب.
ورغم هذه الظروف، أثبت طلبة غزة قدرة استثنائية على الصمود، وأصروا على مواصلة تعليمهم. غير أن النجاح في الثانوية لا يعني بالضرورة الانتقال إلى تعليم جامعي قادر على تلبية طموحاتهم، في ظل تراجع الطاقة الاستيعابية، وتضرر المختبرات، واستمرار الاعتماد على التعليم الإلكتروني كحل اضطراري، خاصة في التخصصات التي تعتمد على التدريب العملي مثل الطب والهندسة والعلوم الصحية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأزمة باعتبارها مشكلة تخص الجامعات وحدها، بل باعتبارها تحدياً يمس مستقبل التنمية في غزة. فالمجتمع الذي يتطلع إلى إعادة الإعمار سيحتاج إلى كوادر مؤهلة علمياً وعملياً، ولن يتحقق ذلك إذا استمرت الفجوة بين متطلبات التعليم وإمكاناته الحالية.
إن إنقاذ التعليم العالي في غزة لا يبدأ بإعادة بناء القاعات الدراسية فقط، بل بوضع خطة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لجودة التعليم، وتوفر بيئات تدريب بديلة، وتدعم الطلبة غير القادرين، وتعزز الشراكات الأكاديمية مع الجامعات العربية والدولية. فالمعركة الحقيقية بعد الحرب ليست إعادة إعمار الحجر وحده، وإنما حماية الإنسان الذي سيعيد بناء هذا الحجر.