الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

في مستعمرة الخريف

في مستعمرة الخريف

تاريخ النشر: 2026-04-14 | 12:39

يمتدّ خريفنا أبعد من كونه فصلًا عابرًا في تقويم الطبيعة؛ إنّه يتحوّل إلى حالة وجودية تتآكل فيها المسافات بين الانكسار والانتظار. تتساقط فيه الأرواح قبل أنْ تبلغ الأوراق الأرض، وتخبو المعاني كما يخبو الضوء على تخوم الغروب. غير أنّ في عمق هذا الانطفاء المتدرّج نبضًا خافتًا يرفض أنْ يُعلن نهايته، مهما اشتدّ الخريف وتمادى.

تتعاقب الفصول في انتظامها الكوني: ربيع يعقب خريفًا، وشتاء يسلّم مفاتيحه لصيف قادم. أمّا أعمارنا فتمضي مثقلة بما يفوق ثقل الزمن ذاته؛ تحمل تجارب لا تسعها السنوات، وتترك في القلب ندوبًا لا تُمحى، وذاكرة تتشكّل من انكسارات متراكبة. وبين هذا التعاقب، يظلّ الخريف أكثر الفصول التصاقًا بصورة الداخل الإنساني حين يتهالك تحت وطأة التحوّلات.

كأنّ الفصول، في دورانها الأبدي، تعيد على مسامع الزمن الحكاية ذاتها. غير أنّ حكايتنا لم تكن يومًا قابلة للاختزال في فصل واحد أو سرد مكتمل. تراكمت فيها الخيبات طبقة فوق طبقة، كأوراق خريف تتساقط بلا ضجيج على مسارات العمر، حتى غدا الطريق ذاته مغطّى بآثار ما تهشّم من يقين وأحلام.

دار خريفنا مثقلًا بانكسارات متعاقبة، ونحن نقف على تخوم جرف آخذ في التهاوي. أحلامنا فقدت توازنها، باتت عارية من سندها الداخلي، تتدحرج في منحدرات اليأس، وتتصادم بجدران الخديعة التي أحكمت إغلاق منافذ النجاة. ومع ذلك واصلنا المسير، لا بوصفه اختيارًا خالصًا، بل باعتباره فعل مقاومة ضد الانطفاء البطيء.

سرعان ما أدركنا أنّ بين السّير والتّيه مسافة دقيقة لا تُرى إلا بالارتباك؛ فالمسير ليس دائمًا خلاصًا، والتوقف ليس بالضرورة سقوطًا. كلاهما، إنْ غابت البصيرة، قد ينقلب إلى دائرة مغلقة تُعيد إنتاج العثرة ذاتها في صور متجددة. وهكذا يغدو السير بلا مراجعة شكلًا آخر من أشكال العجز المقنّع بالحركة.

من هنا تتبدّى الحاجة إلى المراجعة، لا بوصفها نقيضًا للاستمرار، بل شرطًا لتكثيف معناه وإنقاذه من التكرار. إنها وقفة عند مفترق المعنى، نعيد فيها مساءلة ما تبقّى من أيامنا، وننفض عنها ركام الأوهام، ونستعيدها من الطفيليات التي عاشت طويلًا على هشاشتنا. أولئك الذين لم يكتفوا بإرباك الطريق، بل خدشوا وجه الحياة، واشتغلوا على تشويه الوعي ذاته، حتى غدا الهواء مثقلًا بظلال خطاب مزيّف يتقمّص الحقيقة.

رشقوا السماء بالافتراء، ونسجوا من الأكاذيب سرديات واهية يكسون بها عُرِي الواقع. أمعنوا في إنتاج الضجيج حتى تحوّل إلى غبار كثيف يعلو القلوب، فيغطي قدرتها على التمييز بين ما هو قائم وما هو مُفتعل. ولم تكن تلك الأكاذيب إلا بُنية من الوهم الثقيل، دفعت بالعالم إلى مزيد من التشظي والاغتراب.

ومع ذلك، فللخريف منطق خفي لا يُدرك إلا بالتأمل البطيء لسقوط الأوراق؛ فهي لا تجادل الشجرة في مصيرها، بل تنحدر في صمت كوني محسوب. وربما لم يكن الرجاء فعل إجابة، بقدر ما هو استمرار في طرح السؤال ذاته، رغم انهيار اليقين من حوله. أن يبقى السؤال قائمًا في زمن تتساقط فيه الإجابات الزائفة واحدة تلو الأخرى، هو شكل من أشكال المقاومة الهادئة ضد العدم والانطفاء البطيء .

غير أنّ الخريف يشتد حين يتداخل مع وجع الأرض التي لم تغادر بعد دائرة امتحانها التاريخي. أرض تكتب وجودها بمداد من الصبر المتخم بالخذلان، وبالدم الذي يعيد تعريف حدود البقاء. هناك، تحت سماء مثقلة بالدخان والنار، يتقلّص الأفق حتى يغدو الحصار شكلًا من أشكال اختناق المعنى ذاته.

ومع ذلك، تظل تلك الأرض — رغم انكساراتها المتراكمة — قادرة على إنتاج معنى العناد في مواجهة الفناء؛ تنهض من بين الركام كأنها تعيد اختراع ذاتها كل مرة، وتُثبت أن ما يُراد له أن يُمحى لا يختفي، بل يتحوّل. وكأن التاريخ، في مساره الطويل، لا يُنهي الحكايات، بل يؤجل اكتمالها إلى زمن آخر لا يزال مفتوحًا على احتمالات لم تُكتب بعد.

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالاً تشكيكياً في ضحايا 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط