تاريخ النشر: 2017-07-25 | 08:53
تاريخ النشر: 2017-07-25 | 08:53
ما زالت تلاوة سورة يس ترن في أذنه منذ أن قرأ الشيخ حسين هذه السورة في العزاء، لا يقام عزاء في الحي إلا والشيخ حسين يجلس على كرسي كبير ويرتل بصوته الرخيم آيات من سورتي يس والرحمن وكلما أتى على قوله تعالى" وكل من عليها فان" حتى يعلو من حوله آهات وتمتمة السامعين، لقد اعتاد الناس في الحارة على صوت الشيخ حسين الجميل الذي يداوي الأحزان وقت الموت، وقف توفيق بعد دفن أمه يستقبل المعزين، عندما مات الشيخ حسين بعد أشهر شعر توفيق بأن الملائكة ترعاه وترافق روحه إلى السماء العليا قال في نفسه من سيقرأ للموتى القادمين في الحارة غيرك يا شيخ حسين... كانت قدماه ترتجفان أثناء وقوفه على رأس ابن الحارة منذر المضمخ بالدم، اقترب من وجهه أكثر وأخذ يتحسس موضع الرصاصة التي أصابت رأسه، استشهد منذر في إحدى الاجتياحات، كان الكثير من المسلحين في الجنازة وانتصبت في الشارع خيمة عزاء كبيرة لكن الخيمة خلت من صوت الشيخ حسين الرخيم، ذهب توفيق إلى ابن الشيخ حسين الكبير، كان هو الآخر مثل أبيه يحفظ سوراً كثيرة من القرآن الكريم .. قال له بتأثر: لا يمكن أن يقرأ في خيمة العزاء التي انتصبت في الشارع غيرك ياشيخ مازن ثم تابع سوف ينعم منذر بالراحة في قبره إذا قرأت له آيات من سورة يس... .
في المقبرة كانت عينا توفيق ساهمة في قبر أمه، العصافير تحلق حوله فلا يستطيع أن يلتقط واحداً منها، كانت أمه الحاجة بهية تحب الطيور، يلمع تلك الابتسامة العريضة على محياها حين يدخل البيت وفي يده طائر الحمام، تبرق عيناها من شدة الفرح ويبدو على وجهها ملامح السرور وهي تمسد بكفها ريشه الناعم.. كل يوم في ساعات العصر تستلقي الحاجة بهية على الحصير في ساحة البيت، تراقب بعينيها الزاويتين طيور الحمام وهي تحط قرب حنفية المياه، ظلت حتى الإغماضة الأخيرة تسأل عن الحمام تنام وتصحو على هديله... .
في جنازة الشهيد منذر جلس توفيق في السيارة بحزن، كان ينتظر لحظة وصول الجثمان إلى المقبرة عندما انتهى المشيعون من عملية الدفن أخذ يمشي بين القبور يقرأ على شواهدها الرخامية البيضاء الأسماء، تلك الشواهد تنتصب لتؤكد حتمية الموت، فوق أشجار المقبرة تغرد الطيور، تقفز في خفة ورشاقة وكأنها لا تعبأ بالموت ولا تدري بأنه في انتظارها في كل لحظة، بعد برهة من الوقت أصبحت المقبرة خالية من الناس، ركب في إحدى السيارات التي عادت إلى المدينة بسرعة.. .
عند قبر أم توفيق يمر سور المقبرة الكبير، كان القبر يتمتع بموقع هادئ بحيث يبعده عن عبث الصبية، ظلت بقعة صغيرة بجانب القبر خالية، قالت انتصار لأخيها توفيق لا بد أن يأتي ميت آخر، سوف يحضرونه محمولاً على النعش وتشق جنازته طريقها إلى هذه البقعة هكذا سيجد مكاناً يدفن فيه، لقد اعتادت انتصار أن تذهب إلى المقبرة في زيارات خاطفة خاصة في أيام الأعياد هناك تجلس بجوار قبر أمها الحاجة بهية وتقرأ الفاتحة، قالت لتوفيق بعد إحدى الزيارات، لقد اختفت البقعة الصغيرة الخالية، وحين سألها توفيق بلهفة عن اسم المتوفي قالت له بفرح إنها الشهيدة إيمان.. لقد استشهدت هذه الطفلة الصغيرة بفعل القصف، لم ينتبه بعد أيام حين زار قبر أمه إلا وقبر الشهيدة أمامه، نظر نظرات أسى وحزن إلى شاهد القبر، قرأ الاسم بتأمل وتاريخ الوفاة، تخيل وهو يقرأ الفاتحة بأن وجه أبيض جميل متألق يشع منه النور يطل منه.. كانت العصافير تمرق فوق القبر كالسهم أما النباتات الخضراء البرية فقد أخذت تزحف إليه، بعد انتهاء الزيارة سارع في خطوة إلى باب المقبرة الكبير، باب مفتوح لكل داخل ينظر إليه الناس متهيبين صامتين.. شعر ببرودة الجو وكانت الشمس ما زالت ترسل بما تبقى من أشعتها الغاربة وكأنها شاهدة على تلك اللحظة التي أدرك بها أزلية الموت، هناك تحت شجرة عالية بالقرب من الباب كانت رائحة رجل فقير تفوح، كان يرتدي ثياباً سميكة بالية امتلأت بالرقع والثقوب، الناس ينظرون إلى ذلك الرجل ثم يمضون، الناس يقولون أنه يجلس هكذا مطأطأ الرأس صامتاً يمد يده ولا يتكلم غير أن حركة الطيور الفزعة تصدع أذنيه وهي تغادر رؤوس الأشجار وتمرق من فوق شواهد طالقبور..