جاء خطاب الاسد في مرحلة شديدة التأزم بالنسبة لعدة ملفات منها الملف الفلسطيني حيث تشهد غزة عدوانا اسرائيليا متصاعدا بهدف القضاء على قدرات المقاومة وفيه لمع نجم الفصائل المدعومة من محور الممانعة ، وفي العراق تصاعد خطر داعش وتمرد الحانقين على سياسات المالكي والذي يعتبر تهديدا مشتركا بين النظامين السوري والعراقي وهو ما يفسر التعاون لأجل دحر المتمردين المسلحين ، اضافة الى الوضع السوري السيئ بسبب استمرار المعارك الضارية بين القوات النظامية والمعارضة المسلحة دون حسم الصراع الى أي طرف فالوضع يمكن وصفه بحرب استنزاف حقيقية قادرة على الاستمرار سنوات طويلة في وقت تم فيه تدمير المدن وقتل وتشريد ونزوح اعداد ضخمة من السوريين و طلبهم اللجوء في بلدان مجاورة او اوروبية .
يبدو ان الاسد مستفيد من اعادة خلط الاوراق في المنطقة بحيث لا يكون التركيز الاكبر على الازمة السورية ، وفي الجانب السوري فان استمرار الوضع على ما هو عليه افضل من تحقيق المعارضة المسلحة نصرا كاسحا ، هذا رغم الحصيلة الانسانية المفجعة للصراع السوري التي ربما كانت كفيلة بان يقدم أي مسؤول في دولة غربية استقالته وتنحيه عن منصبه ، لكن الرئيس بشار الاسد قدم خطابه بهيئة المنتصر وربما تعود ثقته الاسباب التالية :
_ وضع المعارضة السيئ جدا التي لم تنجح في تقديم مشروع بديل يستقطب المتضررين من الحرب غير المساندين للنظام وفي نفس الوقت الذين يملكون موقفا مرتابا من الانتقال للعمل المسلح ، كما ان فقدان الرؤية السياسية هو ما جعل الدول الغربية تتراجع خطوة في دعمها للمعارضة .
_ قدرة النظام على الصمود بسبب الدعم الايراني الروسي المطلق والذي يرجع الى اهمية الاستراتيجية لسوريا والاتفاق مع الاسد حول هدف دحر تنظيمات الاسلام المتطرف اضافة الى ان سوريا تعتبر من اهم زبائن روسيا فيما يخص الاسلحة ، وبالنسبة لإيران فأنها تعتبر النظام السوري امتدادا طبيعيا لها وذراعا في المنطقة العربية ، في المقابل المعارضة بشقيها المدني والسياسي لاتحظى بدعم غير مشروط من حلفائها .
_ تراجع الغرب في اعتبار سقوط الاسد اولوية قصوى بعد ظهور شبح التنظيمات الجهادية المتطرفة التي استقطبت عدد من مواطني هذه الدول وجرتهم للمشاركة في الصراع المسلح في سوريا ، يبدو ان هذه الدول تخشى هذه التنظيمات اكثر من الاسد خصوصا بعد الدعاية السيئة التي قدمتها هذه التنظيمات لنفسها بممارساتها البربرية وارتباطها بتنظيمات مثل القاعدة وأخرى تحمل تفكيرا متطرفا ، وهو ما جعلها لاتتعجل في تقديم اسلحة نوعية يمكن من خلالها ان تحقق المعارضة تقدما على الارض يغير موازين القوى .
هذه الامور جعلت الاسد يكسب وقتا اضافيا وراحة من ضعف الخصم وقوة حلفائه وشدة التزامهم على دعمه حتى اخر لحظة وبكل الوسائل ، انعكس هذا الامر على سمات خطاب الاسد اذ لا حاجة لتقديم تنازلات ولا التخلي عن المواقف السابقة ففي هذا الخطاب ردد نفس المفاهيم التي صرح بها من قبل مثل : ان ما يحدث في سوريا هو مؤامرة خارجية ، والمقاتلين هم ارهابين ، وأيضا تحميلهم المسؤولية عن الضحايا والخسائر الانسانية ، كما طرح مبادرة للحوار مع المعارضة خص بها المعارضة الداخلية المسلحة لا تتضمن هذه المبادرة تنازلا عن السلطة بل تعديل دستوري وانتخابات برلمانية جديدة دون الاشارة حتى الى مؤتمرات جنيف السابقة وهو ربما سبب تذمر ونقد المعارضة لخطابه ، كما وجه رسائل مختلفة لداعمي المعارضة من الدول العربية والإقليمية.
هذا الخطاب اعاد توجيه الانظار للمعارضة خاصة وهي تواجه تحديات حقيقية في ظل تناقص الدعم الغربي والعربي ، وبعد الانتخابات تحديدا التي قضت على كل فرص الانتقال الديمقراطي بأساليب سياسية ، مما يعني ان لا حل سوى استمرار المعارك على امل تحقيق تفوق يحسن مركزها التفاوضي ويدفع الاسد الى القبول بالبنود التي حددتها من قبل ، وهو ما يعني ان المأساة اليومية التي يعيشها السوريون على وقع المعارك من تقتيل وتشريد ستستمر مدة اطول .