تاريخ النشر: 2016-06-04 | 08:40
تاريخ النشر: 2016-06-04 | 08:40
قد تكون حرب الأيام الستة كما يسمونها الإسرائيليون أو حرب يونيو 1967 مخطط لها من قبلهم ومن قبل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية في معظمها وأن التخطيط لها جاء بصمت وتكتم في ظل جعجعة الإعلام العربي الذي كان يتحدث قبل الحرب عن الانتصارات التي ستحققها الجيوش العربية كما تحدثوا عن إلقاء اليهود (الإسرائيليين) ودولة إسرائيل إلقائها في البحر وتحدثوا عن الغنائم المتمثلة في تحرير كامل التراب الفلسطيني والأموال والغنائم من السبايا من النساء الإسرائيليات ذات الجمال والشقار وتأججت شهيت العرب والفلسطينيين بشأن هذه الغنائم وأصبح الجميع يدرك بأن الانتصار لا محال قادم، تلك الحرب لم يكن هدف الطرف الآخر منها هزيمة مصر أو الأردن أو سوريا أو الفلسطينيين بل تخطت الأهداف إلى أبعد من ذلك حيث هدفت تلك الحرب أيضاً إلى ضرب النظام العربي ضربة قاصمة في الصميم ولخلق معادلة صراع جديدة تكون دعائمها ضرب الحركة القومية المتنامية آنذاك ويقودها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر والعمل على كسر شوكته وإفراغ شعاراته القومية والشعارات المناهضة للإمبريالية والرأسمالية من محتواها ومضمونها بما يمثل رسالة للاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية الداعم الرئيس له والعمل على إعادته والنظام العربي بالكامل إلى الحظيرة الأمريكية والغربية وإلى النظام الرأسمالي ومن ثم السعي مستقبلاً إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي والبدء بتقبل إسرائيل في المنطقة العربية كعضو أساسي في الشرق الأوسط والإقليم.
ودون الخوض في النتائج العسكرية لتلك الحرب والتي أدت إلى خسارة كل من مصر لأراضي شبه جزيرة سيناء وتموضع الجيش الإسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس وخسارة الأردن لمجمل أراضي الضفة الغربية وتمركز الجيش الإسرائيلي على الحافة الغربية لنهر الأردن وخسارة سوريا لهضبة الجولان وتمركز الجيش الإسرائيلي على مشارف العاصمة السورية (دمشق) وقد تم تدمير ما يقارب من 70%- 80% من قوة الجيوش العربية المجرورة لتلك الحرب مقابل 2-5% من القوة العسكرية الإسرائيلية.
في ظل هذا الوضع المأساوي الذي عاشه النظام العربي في تلك الفترة وكعادتها مؤسسات الأمم المتحدة بدأت تنشط لتثبيت الوضع الميداني القائم وبدأت السعي لطرح حلول سياسية ونتج عن هذا النشاط صدور قرار مجلس الأمن رقم (242)، وفي الجانب العربي عقد مؤتمر قمة في العاصمة السودانية (الخرطوم) والتي تبنت اللاءات العربية الثلاث (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل).
وعلى صعيد الأمم المتحدة وبعد جدل واسع في أروقتها وخاصة الجمعية العمومية قد رفضت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبتسوانيا المقترح السوفيتي المقدم للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 12 يونيو 1967 لعقد دورة استثنائية لها، إلا أن تلك الدورة انعقدت في 17 يونيو واستمرت حتى 30 يونيو من نفس العام وقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك بأن إسرائيل لن تعترف بأيّ قرار يصدر عن منظمة الأمم المتحدة، لذا ورغم توافق الآراء إلا أن الأمم المتحدة فشلت في إصدار قرار يدين إسرائيل على عدوانها، فخلال التصويت كان هناك مشروعي قرارين الأول سمي مشروع الخمسة عشر، والذي قدمته دول عدم الانحياز بدعم من الدول العربية ونص على (وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في الحرب) والثاني عرف باسم مشروع أمريكا اللاتينية والمدعوم من قبل دولها فضلاً عن الولايات المتحدة والذي نص على (الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة بشرط قبول العرب الجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل بهدف عقد سلام معها)، هذا وقد فشل المشروعان لعدم حصول أيّ منهما على الأغلبية المطلقة عند التصويت عليهما مما أثلج صدور الساسة الإسرائيليين.
في 22 نوفمبر 1967 تقدمت بريطانيا بمشروع قرار إلى مجلس الأمن تم إقراره وأصبح يعرف ب (قرار مجلس الأمن رقم 242) واُتخذ بإجماع الدول الخمسة عشر الأعضاء في مجلس الأمن آنذاك وقد تضمن القرار خمسة مواد:
1- انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة.
2- إنهاء جميع مظاهر الحرب وضمان حرية الملاحة البحرية.
3- إنهاء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
4- ضمان عدم انتهاك سيادة الدول واستقلالها.
5- خلق مناطق منزوعة السلاح في الشرق الأوسط
هذا ولم يتم تنفيذ هذا القرار في حينه وقد أصبح محور العملية السياسية والجهود الساعية لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي حتى الآن.
ومع إقرار مجلس الأمن للقرار (242) برزت قضايا خلافية بين طرفي الصراع حيث عمدت إسرائيل إلى تفسير الانسحاب بأنه انسحاب من (أراضي محتلة) وليس من الأراضي المحتلة حسب النسخة المقدمة لها باللغة الانجليزية كما تدعي.
والآن وبعد مُضي ثماني وأربعين عاماً على ذكرى النكسة فقد تغيرت المعطيات والظروف السياسية فأصبحت منطقة الشرق الأوسط اليوم غير تلك قبل ثماني وأربعين عام وتبدلت التحالفات وانهار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية وهي الداعم الرئيسي للدول العربية المناهضة للاستعمار الامبريالية الأمريكية وإسرائيل، وجرت حروب عديدة ضد بعض تلك الدول العربية وخاصة في العراق الذي كان يشكل قوة إسناد مالي وسياسي للدول العربية التي تقف في مواجهة إسرائيل وتسعى إلى تحرير أراضيها المحتلة كما ظهرت في الساحة السياسية في الإقليم تنظيمات إسلامية كالقاعدة اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية وجودها ذريعة لشن حروبها ضد بعض الدول العربية في إطار حربها الكونية على الإرهاب، كما أن المنطقة والدول العربية تنشط فيها حركات الربيع العربي الذي أدى إلى تدمير البني السياسية في الدول العربية وتفشي ظاهرة الحركات الإسلامية التكفيرية والمتطرفة وقوى مسلحة أخرى تعمل بتوجهات خارجية لتحويل الدول العربية إلى دول ممزقة على أبواب التقسيم والتفتيت.
في ظل هذا الجو الداخلي للنظام العربي أخذت العملية السلمية الفلسطينية الإسرائيلية تتجه إلى الفشل ولم يجر عليها أيّ تقدم رغم المبادرات الأوروبية والأمريكية والعربية المتعددة بشأن إنقاذها وإعادة طرفي الصراع إلى المفاوضات والتي استغلها الجانب الإسرائيلي لالتهام الأراضي الفلسطينية من خلال توسع المستوطنات القائمة وبناء أخرى وكذلك بناء جدار الفصل العنصري الذي التهم مساحات واسعة أخرى من الأراضي الفلسطينية وسعى الكيان إلى تثبيته كحدود دائمة مستقبلاً، كان لنتيجة ذلك أن استمرت المفاوضات أكثر من عشرون عاماً دون الإمكانية بزحزحة الإسرائيليين عن مواقفهم الرافضة لكل المبادرات ولم يتبق متسعاً لأيّ حل سياسي لتحقق مبدأ الدولتين.
إذاً وفي ظل هذا لا نلاحظ بأن قرار 242 وبعد مضي 48 عاماً عليه قد بقي صالح للتنفيذ فالواقع يشير إلى عكس ذلك ويتضح هذا من الرفض الإسرائيلي لأيّ مبادرة تتضمن ولو الإشارة لهذا القرار، ومن هنا نرى ضرورة إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وأوراقه والبدء بالتفكير جدياً حول إيجاد سبل بديلة سياسية كانت أم عسكرية أو حتى مقاومة شعبية سلمية فاعلة وألا نكتفي بمقاومة شعبية سلمية محدودة أو هزيلة أو محصورة في بقع صغيرة جداً من الوطن الفلسطيني لا يتجاوز هدفها رغبة الكثير من القائمين عليها غير التصوير أو لأهداف أخرى لتحقق مكاسب قد تظهر عند الشروع بالانتخابات، وأستثنى منهم من كان ولا زال صادقاً في مقاومته الشعبية السلمية والتي إن تجاوزت حدود الشعارات يتعامل معها الجيش الإسرائيلي على أنها مقاومة مسلحة فيسقط الشهداء والمصابين.
ألف تحية للكل الفلسطيني والمناضلين وشهداء الثورة الفلسطينية وجرحاها وأسرانا البواسل القابعين في سجون الاحتلال الذين ضحوا بالغالي والنفيس وبدمائهم وأرواحهم حتى نبق نحن، فهل من تحرك أكثر جدية وفاعلية للأفراح عنهم ليروا نور الكون.
وأخيراً نترحم على قرار 242 ولا نبن آمالاً كثيرة عليه لأنه صدرت بعده عشرات القرارات الأممية التي تدين إسرائيل لسلوكها الشائن بحق الفلسطينيين وهدم بيوتهم والسعي لتهويد القدس وقرارات أخرى تشجب الاستيطان وجدار الفصل العنصري وتعتبرها غير شرعية وغيرها من القرارات التي تعالج قضايا اللاجئين وجميعها تضرب إسرائيل بها عرض الحائط، وستلقى تلك القرارات ما لقيه قرار 242 من طيّ في صفحات الزمن والتاريخ.