تاريخ النشر: 2016-11-17 | 18:06
تاريخ النشر: 2016-11-17 | 18:06
أمد/ غزة – خاص : قراءة هاني السالمي : هند جودة، شاعرة صدر لها كتابين في الشعر، ["دائما يرحل أحد" في نهاية العام 2013 عن دار موزاييك في الأردن، "لا سكر في المدينة" 2016 دار خطى] ولها تجربة في كتابة السرد والأغاني واللقاءات الإذاعية... احتفلت هند جودة مؤخرا بتوقيع مجموعتها الشعرية (لا سكر بالمدينة) في قطاع غزة... في هذا المقال عن لا سكر في المدينة سأقف في تفاصيل الجملة المقدمة في المجموعة، وحين أردت أن اكون ناقدا للمجموعة أتذكر أن الصوت الأنثوي الشعري في قطاع غزة يسير ببطء شديد نحو النص العالمي، كاتبات قطاع غزة اللاتي يشبهن كاتبات الوطن العربي حيث حدود الطرح والتعبير والتخفي وراء الجملة التي تكتبها، مثل هند جودة لو كان لك نصيب وتجلس معها تجد شاعرة وكاتبة تحمل ثقافة وحضورا كبيرا، لكن لماذا [لا سكر في المدينة] لا يعكس تجربتها المثقفة الحالمة المغامرة المتجددة، تكون الإجابة في كل التجارب الشعرية النسائية العالمية، لا بد أن تكون للذات الأنثوية قدرة على التعبير عن أناها، بلغة تحمل لمسات صلتها بالأشياء.
فالشعر هو الاحساس الجمالي بالعالم، وهو أقرب إلى طبيعة المرأة إذا نظرنا إليه كعنصر مجرّد. كما أنه يتطلب عدا هذه الصلة، وعياً بتلك الذات في حضورها المعرفي المركّب، وبحصيلة علاقتها مع المكوّنات الثقافية لعصرها.
ولعلّ حسبة المرأة اللسانية في الشعر، بقيت متوارثة على امتداد التواريخ العربية لسببين متعاضدين: ضآلة فرص تحصيل المعارف، وتضافر القوى الاجتماعيّة لتحريمها من التعبير عن عاطفتها ووجدانها.
من قراءتي في المجموعة، أرى أن الشاعرة ملتزمة جدا حتى في خيالها، تجد بيئة النص توحديه حيث أنها تدور في فلك واحد، كأنها ترسم لوحة بتفاصيلها المعروفة عند المتلقي، وهنا امثلة حين تخوض في البحث عن حدود الشاعرة في الصورة..
أُشعل ناراً تحت قِدر الحياة الكبير،
أنفخُ
يسخنُ الهواءُ
ولا ينضجُ سواي!.... ص5
قلبي موج يطلق أسماكه الضالة
يحتضنها بحر كامل الملح يزداد بها اتساعاً
ودونه تضيق!... ص45
كم من الغيم تحتاج لتعرفَ أنك تطير ولا تسقط؟
وكيف ستعرف دائماً أن الأرض تحتك لتصنع هبوطاً آمناً؟!
وهل انعكاسك على الماء أو في المرايا
يكفي لتعرف أنك لم تغادر؟... ص47
أريد أن أخبز رغيفاً
ولا قمح في الحقول
لا يوجد سوى فزاعة متهالكة
ترعب الفلاحين ولا تخيف الغراب!... ص59
[هذه الأمثلة جلبتها عشوائية لتدل على بيئة النص الملتزم في التأمل والخيال عن الشاعرة، لو ركزت في المثال ص59 تجد أن الشاعرة بيئتها واحدة مع الدوران حول التفاصيل التي يعرفها القارئ عن الحقل والفلاح والقمح، أين التجديد في طرح الفكرة، وهذا الشعر قريب جدا للسرد، حين تصف نقصان القمح في الحقل في نص سردي...]
إن جمل لا سكر في المدينة، معظمها بل اكثر من 90% من جمل النصوص تبدأ بشبه الجملة من الحروف وحروف الجر وظروف الأزمة والمكانية وأدوات التشبيه وحروف الاستئناف وحروف العطف... والكثير، هنا خطر وقعت به الشاعرة في بدايتها للأغلب الجملة [لا فعل ولا اسم] يبدو أن الصورة لم تكن مكتملة في ذهنها فتجبر الجملة للخروج فتخرج كما يليق لها دون الانتباه إنها أضعفت الجملة بالبداية... أمثله
لبوصلتي
وكتب على قلبي
أن ينزفك كلما حوصر،
وأن يبكيك كلما أمطر وحيداً فوق صحارى العالم.
من ينثرك قصائد ماء؟
وكيف يمكنك أن تشبه الموج
وتنتهي مثله زبداً بالغ الهشاشة
يختفي بلا أثر
ثمّ يعيد ولادة نفسه في الذاكرة إلى اﻷبد!
من أين يبدأ وجهك؟... ص20 [مع تتبع بداية الجمل،( ل/و/ أن/من/ وكيف/و)]
ومثال آخر
من ثلج أنا حين يتعلق اﻷمر بالحمى
ومن صمت حين لا يجدي كلام
متى استراح دمي إلى رجفة القلق؟
لا أذكر تماماً
متى سال حليب رأسي فاحماً على بلاط العمر؟
لا أذكر تماماً.... ص24
السرد يتحكم في نص لا سكر بالمدينة، يبدو أن بدايات جودة في القصة، وأنا أذكر مجموعة قصصية لها لم تر النور [فقاعات صابون] على ما أذكر، والدليل على قولي أن المجموعة تميل للنص وتجد بطلا ومكانا وزمانا وحدث [نص رجل قابل للحب]
يتثاءبُ في كسلٍ/ يمرّرُ أصابعه في شعره/ ويحكّ خدّهُ بإخلاصٍ لعادته تلك التي بلا معنى!/ يقوم إلى الماء متثاقلاً/ يتخلّص من بقايا النوم/ ويقابل ذاته في المرآة!/ وجهٌ قابلٌ للقسمة/ يفضل البقاء أمردَ/ جاهزٌ للشمس التي بدأت تشتعل/ يعرف كيف تكون رائحة الصباح في أول الصيف!/ ينهي تصفيف شعره/ يضع حاجزاً من العطر الكثيف/ يحاصر قدميه بحذائه اللامع/ ويمتع اﻷرض/ والسلالم بخطواته الخفيفة... ص11، ص12
[يمكنكن أن تقرأه كقصة قصيرة لو أكملت النص ستجد النهاية، وهذا تجده في أغلب النصوص، لكن السؤال لماذا يأتي السارد إلى الشعر، ويذهب الشاعر إلى السرد، هل هناك حاجة ملحة...]
اللون التي دارت حوله الشاعرة في المجموعة أنه اللون الأزرق ب3 مواضيع مختلفة، الأزرق
لون البحر والسماء [غزة] ، وهو أساس الألوان الباردة [نعيش بحرب] ،يعطي إحساس بالخفة ويلهم بالكثير من الأفكار والخيالات[الحدود التي تعيشها الشاعرة]، يعبر عن الهدوء [هذا واضح بالمجموعة].
خذ عصفورتي الزرقاء... ص17
وأنت أزرق غائب... ص26
ودماؤه الخبيثة الزرقاء!... ص 35
[الأزرق، مرة تعاملت معه بالضعف، ومرة الغائب، ومرة سيء] ماذا يعني الأزرق عند هند جودة، يبدو ان الشاعرة، حين تكتب لا ترجع لنصها القديم...]
من عوالم القوة عند الشاعرة في المجموعة النص القصير، أو الشذرة التي ينتشر في المجموعة بين النصوص الطويلة، ولتأكد هند جودة أنها شاعرة وتجيد فنون كتابة الشعر بأشكاله، فقد لجأت إلى كتابة الشذرات الشعرية التي تحمل معني وأفق كبير وتجد تجليات الكلمة والخيال في النص القصير جدا
يثملُ بوجعٍ ما
ريحُ وجعٍ
تعبرني هاربة
تتلكَّأُ في عظم روحي
*
لم يكن الصحو يقِظا قبل الآن
نوبةُ وجعٍ جديدةٍ حلَّت
*
الوجع
غولٌ حقيقيٌّ هجر خرافات الجدات
واستوطن دمنا
74
*
لا تنسَ أن تنظف طُرقات قلبٍ
عاث به وجع
*
الوجع كغبار
لا يذهب إلا ليعود.... ص73
في نهاية قراءتي ل [لا سكر في المدينة] لهند جودة اقتبس منها جملة احببتها [ لا أرتب أسناني وفق خبزك] كل ما تحتاجه هذه المجموعة فقد مغامرة من الشاعرة لتقدم ما عندها، لكن في نص [أثر] لماذا كنتُ على يسار المقعد
وكيف أصبح المطر استوائيا في بلاد المتوسط فجأة؟
مطرٌ كفيفٌ أتى،
وانحنت أقواس النظر بين روحين!
كيف غادرتَ دون أن تغادرَ،
وتركتَ التوق يطهوكَ على مهل؟
لماذا كنتَ على يمين المقعد
وكيف تركت أغانيكَ العتيقة
ودونَ أن تلمّ شيئاً رحلت؟... ص69
أكدت هند جودة أنها شاعرة وتملك العصا السحرية وإنها قادرة على التحكم بالجمل لتليق بالجمال...