تاريخ النشر: 2016-01-24 | 21:00
تاريخ النشر: 2016-01-24 | 21:00
كثيرة هي المداخلات والنقاشات التي دارت في المؤتمر الذي نظمه معهد ابحاث الأمن القومي الاسرائيلي الذي خصص هذا العام لتقييم الأوضاع والخروج بالتقرير الاستراتيجي مذيلا بالتوصيات التي جاءت على غير العادة بصيغة التوصيف والاسهاب في التحليل وتكراره واستخدام صيغة السؤال مما اوجد مسافة كبيرة بينه وبين التقارير الاستراتيجية الاسرائيلية السابقة، كما غيبت مفردات الحسم والجزم التي كانت تستخدم في مثل هذه المؤتمرات واستخدمت تعابير يلفها الغموض ويوصف في العلم العسكري بالتجاوز او الالتفاف، وهو ما عبر عنه نائب رئيس معهد ابحاث الامن القومي اودي ديكل خلال مقابلة مع استديو واي نت حين وصف نتائج اعمال المؤتمر بالفوضى الاستراتيجية والارباك.
وما يؤكد حقيقة استنتجناها مبكرا وهي ان أخطر ما يواجه اسرائيل راهنا ومستقبلا هو المجهول القادم، رغم فرحها العارم بما جرى ويجري الآن في محيطها العربي والإقليمي، وصفه بعض المشاركين بالحرب العالمية الثالثة ووصفه البعض الآخر بانتهاء عهد التوازنات القديمة وبدء عهد جديد في السنوات القليلة القادمة، عبر عنه وزير الجيش " يعلون " ورئيس " امان " السابق " عاموس يدلين " وبشكل قاطع على ان ايران تشكل التهديد المركزي الذي تواجهه اسرائيل، ولكن لا يتعلق الأمر هذه المرة بالنشاطات النووية بل بالنشاطات الإيرانية في المنطقة ودعمها لكافة الأطراف . لذلك سيحاربها رئيس الأركان ايزنكوت (الذي اقر بوجود مخاطر وفرص في نفس الوقت بتوقيع الإتفاق النووي الإيراني) عن طريق سورية ولبنان وحماس والمواطنين العرب في الداخل . كما اعتبر ايزنكوت حزب الله الأكثر تهديدا ل "اسرائيل" لأنه مدرب ويملك أسلحة متطورة وخبرات الى جانب الجيش الروسي في سورية بحسب قوله.
رئيس اسرائيل ركز على موضوع المنظمات المتطرفة وداعش مؤكدا انها تشكل احد التحديات المركزية الرئيسية لإسرائيل مناقضا ما اجمع عليه المشاركين في مؤتمر "الأمن القومي الإسرائيلي" الخامس عشر الذي نظمه مركز هرتسليا وحرص المتحدثون فيه على الإشارة إلى أن انهيار الدولة القطرية وتفكك الجيوش التقليدية أفضى إلى تحسن مكانة إسرائيل في ميزان القوى الإستراتيجي بشكل جذري وأدى إلى ولادة كيانات مريحة لإسرائيل، الا اذا اورده كمدخل للحديث عن خطر ما اسماه بـ "داعش" الداخل الناجم عن اهمال الحكومة للمجتمع العربي وتهميشه ما شكل بيئة جيدة لنمو وتطور داعش الداخل وفي هذه تقاطع مع رئيس الاركان ايزنكوت. تقييم رئيس اسرائيل خطير جدا ومؤشر على نوايا عدوانية على الشعب الفلسطيني يطال العمق هذه المرة بشكل سافر وهو بالضرورة يؤكد بما لا يدع مجال للشك بان القيادة الاسرائيلية تبني خططها وبرامجها على فرضية ان لا حقوق للشعب الفلسطيني.
لم تخلو المداخلات من الحديث عن تحالفات اسرائيل وما تراهن عليه في هذا المجال وفي مجال التطورات الإقليمية. لا يهمنا ان كانت المداخلات المعلنة حقيقية ام للتضليل ما يهمنا وما يجب التوقف عنده الملف الفلسطيني الذي لم يتناوله المؤتمر كملف رئيسي وربما تعمدوا ذلك، وهم مدرسة في الخداع والتضليل، فهل سيكون علاج الملف تحت عنوان تحويل المخاطر الى فرص مع وقف التنفيذ حاليا برهن التطورات في الملفات الأخرى، وهو ما اشارت اليه مداخلات المشاركين وصناع القرار خاصة مداخلة الرئيس الاسرائيلي السابقة الذكر، وهل سيكون التحويل المنشود غير ما جاء عليه في الماضي وعبر سيناريوهات متعددة اغلبها مغامرات عسكرية تمثلت بعدوانها عام 1948 واحتلالها للأرض وطرد الشعب الفلسطيني وتهجيره بعد مجازر كثيرة ومعاودة ذلك في عدوان عام 1967 في الضفة الغربية والأراضي العربية الأخرى وعام 1982 واقتحام بيروت اول عاصمة عربية وبعدها جنوب لبنان وقطاع غزة ثلاث مرات والشواهد والنماذج متعددة وكلها تحت عنوان تحويل المخاطر الى فرص.
ما يمكن استخلاصه أن قيادة اسرائيل تواجه حالة من فقدان الثقة بالنفس وبالحلفاء وتعيش حالة من القلق على مستقبل وجودها في المنطقة لذلك جاء خلط المؤتمر للملفات بلغة التعميم والتعويم ومنها الملف الفلسطيني وربطها ببعضها. مواجهة ذلك يتم من خلال صمود الشعب الفلسطيني وثباته على ارضه والسعي للوحدة الوطنية التي تؤهله للتصدي للمخططات الإسرائيلية مع ضرورة الاستفادة من تجارب الماضي وأخذ الدروس والعبر والتمسك بالإيجابيات ونبذ السلبيات.
خبير ومحلل عسكري