تاريخ النشر: 2020-08-22 | 13:30
تاريخ النشر: 2020-08-22 | 13:30
كبندول الساعة يتأرجح العديد من كتاب الرأي العرب، وسأقتصر على العرب، في قراءة التطبيع المجاني للشيخ محمد بن زايد مع دولة الإستعمار الإسرائيلية، منهم من يحاول تحميل الشعب والقيادة الفلسطينية المسؤولية، لإنها حسب وجهة نظرهم، مهدت الطريق للتطبيع العربي الرسمي، وبعضهم يحاول تغطية الخطوة الخيانية بإعتبارها نتيجة طبيعية لمسار الإنحدار العربي، الذي بدأ عام 1978 و1979 في كامب ديفيد الساداتية، وبعضهم يحمل المسؤولية لتركيبة النظام السياسي الإماراتي وتبعيته للغرب الرأسمالي عموما والأميركي خصوصا.
من بين الكتاب الذين يستحقوا التوقف امام قراءتهم، الدكتور عبد الخالق عبد الله، وهو كاتب إماراتي محترم، ويحسب على الإتجاه القومي كتب في صحيفة النهار الدولي اللبنانية مقالا بعنوان " حتميّة التطبيع والتصالح مع إسرائيل إماراتياً وخليجياً وعربياً " نشر يوم الإثنين الماضي الموافق 17/8/2020، حاول من خلال قراءته تحميل الجميع مسؤولية التطبيع الإماراتي، وخلص لنتيجة تقول " هناك خطيئة بحق فلسطين، والجميع ساهم في ذلك، وأقل الجميع الإمارات." لم ينفِ دور الإمارات، لكنه إعتبره أقل الجميع العربي، لإنه يعيد الأسباب لكامب ديفيد الأولى، التي وقع عليها الرئيس المصري آنذاك، انور السادات 1979 مع رئيس وزراء إسرائيل، مناحيم بيغن برعاية الرئيس الأميركي، جيمي كارتر. ورغم اني اوافقه الرأي حول جزئية الجميع، لكن مع الفارق الشاسع بالنسبة لمفهوم الجميع، وهو ان الجميع هنا تنحصر في المسبحين بإسم اميركا، والذين باعوا وهم "السلام" و"التطبيع" في اوساط الشعوب العربية، وليس جميع العرب. لإن هناك قيادات عربية رسمية رفضت من حيث المبدأ منطق الإستسلام لإدراكهم ان العدو الصهيو أميركي لا يقبل السلام، انما يريد إستسلاما على ورقة بيضاء، وتحويل العرب، كل العرب لعبيد لهم بالبعدين السياسي والديني، لا سيما وان الغرب الصليبي، لم يغادر منطق ترامب وبوش الإبن وريغان وكل قائمة الرؤساء والقادة الغربيين إلآ ما ندر.
بيد ان د. عبد الخالق يغالط الحقيقة عندما يخلص لنتيجة مرفوضة من حيث المبدأ، ببوقوعه في اعلى درجات الإحباط والستسلام، حين يجزم أن "تحرير فلسطين من عاشر المستحيلات." و" حلم هزيمة المشروع الصهيوني الغاشم إنتهى فعليا، وتراجع معه حلم تحرير كل فلسطين ربما كليا ونهائيا". ويتابع ياسه وإحباطه بالقول "بل إنتهى حلم تحرير جزء من فلسطين، وأخيرا إنتهى حلم قيام دولة فلسطين." ويا ليته توقف عند حدود ما تقدم في استنتاجاته الخاطئة والمرفوضة علميا، وواقعيا، وبكل المعايير، فيبحر عميقا في غرقه وتشاؤمه إلى ابعد الحدود، عندما يخلص إلى إستنتاج بأن "اصحاب القضية تعبوا من قضيتهم، وأضاعوا فلسطينهم، والمسؤولية ليست فلسطينية بحتة، فالكل من دون استثناء شارك ويشارك في ذبح حلم تحرير فلسطين، ووأد قيام الدولة الفلسطينية." وهذا استنتاج جد خطير، ولا يليق برجل قومي السقوط في هذا التشاؤم.
وأعود لأسأل د. عبدالله ألست استاذا جامعيا، وقارىء للتاريخ القديم والوسيط والحديث، ومتابع لدورة التاريخ، ما الذي حدا بك ان تغرق في متاهة الإحباط والتشاؤم؟ وهل هزيمة وإثنتين وثلاث واربع وعشر ... ومئة هزيمة لشعب أراد الحياة، ويدافع عن حقه، رغم كل الكوابح، وغيوم الظلام، وعجز وإفلاس وتواطؤ وفجور بعض الأشقاء تنثيه عن مواصلة الكفاح العادل والمشروع؟ متى كانت الهزيمة سدا منيعا في وجه الحرية؟ ألم تكن الهزائم شرطا للنهوض، والإرتقاء لمستوى المسؤولية؟ ومن قال لك ان الشعب العربي الفلسطيني رفع الراية لإسرائيل؟ ومن اشار عليك بانه تعب من الكفاح؟ وهل تغيير اشكال النضال، والمناورة السياسية تعني في شروط معقدة وغاية في التشابك والتشبيك التنازل عن الأهداف والثوابت الوطنية والقومية العربية؟ وهل تورط 3 دول عربية في التطبيع على اهميتها بتفاوت، وتسع دول إسلامية، وإعتراف 158 دولة بإسرائيل يسقط الحق الوطني والقومي في ارض الأباء والأجداد؟ وهل دعم الغرب الرأسمالي لإسرائيل بكل عوامل القوة يلغي الحقائق التاريخية؟ وألم تقم مملكتان قبل الفي عام لإتباع الديانة اليهودية (بعض المؤرخين ينفي وجودها في فلسطين كليا وفق الوقائع والمعطيات الماثلة لديهم) واندثرت كل منها بعد عشرات قليلة من السنوات؟ وألا ترى عمق ازمة المشروع الصهيوني، الذي جاءت اتفاقية التطبيع الإماراتية لتعطيه متنفسا نسبيا؟
ونتيجة استسلام د. عبد الخالق، يعتقد أن "البديل التاريخي" من وجهة نظره، هو "التصالح والتطبيع والإعتراف،" وحتى يبرر لقائد ابو ظبي المتورط بالتطبيع المجاني، للأسف يسقط الدكتور الأماراتي في متاهة الضياع، والقبول بالجريمة، التي وقع فيها محمد بن زايد، فيقول ولا بد من "بروز قائد يملك الجرأة والشجاعة ويحدث الطوفان، عله ينقذ ما يمكن إنقاذه من فتات فلسطين في الدقائق الأخيرة." هنا وقعت ايها العربي المحترم في خطيئة خطيرة، اولا لم تتوقف عن الإستسلام والتشاؤم؛ وثانيا ولما تسعى لتعويم الخطيئة التاريخية لبعض العرب من خلال جمعك للجميع بالمساهمة في ضياع فلسطين؛ ثالثا لما تخلص لنتيجة قاتلة عنوانها "إستحالة تحرير فلسطين، وهزيمة المشروع الصهيوني"؛ رابعا إرتكبت خطيئة التبرير للحاكم بأمره، مختطف الحكم من اخيه، وعازل اشقائه من ابناء الشيخة فاطمة، وقاتل أخوته من ابيه ، والمتنكر للشيخ المؤسس، زايد بن سلطان آل نهيان، زايد الخير والشجاعة والحكمة والدفاع عن ثوابت فلسطين والعرب. ولا اعتقد اني اضيف لشخصك جديدا، عندما اؤكد لك، ان القيادة الفلسطينية وقادة النظام الرسمي العربي جميعا بمشاربهم المختلفة وافقوا على مبادرة السلام العربية، التي تقدم بها الملك عبد الله بن عبد العزيز، وصادقت عليها قمة بيروت عام 2002، ولكنهم وضعوا لها محددات، والجميع ملتزم بها باسثناء بعض الحكام من دول الخليج العربي ومنهم محمد بن زايد، الذين باعوا انفسهم وانظمتهم السياسية مقابل فتات رخيص، وركضوا في مستنقع الخيانة، والعمل على تصفية القضية الفلسطينية. إذا بديلك التاريخي، ليس تاريخيا، ولا جديدا، والقائد الذي تتحدث عنه، انما هو قائد مهزوم وومستسلم، ولا يمثل إلآ نفسه وزمرته الخيانية، ولا يمثل حكام وشعب الإمارات الشقيقة. ومن بدد ويبدد عملية السلام، هي الدولة الإستعمارية الإسرائيلية وحليفها الإستراتيجي، دونالد ترامب وإدارته المارقة والأفنجليكانية المتصهينة. يا حبذا يا دكتور عبد الخالق لو تراجع منطقك، وقراءتك المغلوطة، لإنك لست كذلك في الجوهر.