تاريخ النشر: 2021-09-12 | 11:32
تاريخ النشر: 2021-09-12 | 11:32
جمالها يأسرُ القلوبَ ويغري العيونَ، دعاهم للاجتماعِ بدافعِ حمايةِ شرفها، بعد أنْ أنهى عقدَ الصفقاتِ معهمْ، كلّهمْ تعاقبوا عليها
______________________________________________
العنوان: مداهنةٌ، داهنَ يداهن مداهنة، فهو مُداهِن والمفعول مُداهَن.
داهنَه أي غشّهُ وخدَعهُ، أظهرَ له خلاف ما يضمر في نفسه وعقله وما ينوي بداخل قلبه، تقرّبه ونفاق ودّه وتملقه من أجل مصلحته وغرض وهدف ينوي الوصول إليهِ.
العنوان هو بمثابة الواجهة الأمامية الرئيسية للنص والباب الذي من خلاله يتم الدخول إليهِ والتعامل مع أبعاده الدلالية والرمزية، وهو الجاذب الذي به يتم جذب المُتلقي ويشدّه للقراءة.
أتى بصيغة النكرة بدون أل التعريف ، ينسجم مع ما في النص ويحمل علامة واضحة ودلالة بيّنة ويقدّم معنىً دقيقًا دون أن يفصح عنه أو يفضحه.
عن أيَّةِ مداهنة تتحدّث القاصة؟ ما شكلها، ما نوعها، لمن، مَن هو المُداهن ومَن هو المُداهَن، ولماذا؟
هذا ما سنعرفه مِن خلال الدخول إلى متنِ النص لنسبر غوره ونكشف تفاصيله.
المتن: في الظاهر نفهم أن هناك أنثى، بجمالها أسرت كل القلوب وأغرت جميع العيون، خفقت لها الأفئدة؛ فأمست أسيرة لجمالها الأخاذ، ورأتها الأعين؛ فأصبحت ضحية لحُسنها
أحدهم، وهو رجل، وعلى ما يبدو انه يمتلك الوجاهة المُتميزة والمكانة الرفيعة والسلطة المؤثّرة، بحيث يمكّنه ذلك مِن القدرة على دعوةِ الآخرين من أجل اتخاذ قرارات - ومن ضمنها القرار الذي كان سببا لدعوته لهم في نصّنا هذا - وهو حماية شرفها ، شرف تلك الأنثى الجميلة
الاجتماع كان له دوافع إنسانية وأخلاقية ويمت بالصلة مع القِيم النبيلة والمبادئ السامية المنبثقة من عادات وتقاليد مجتمعية أصيلة وإرث حي يتواصل ويستند على الإيمان
هكذا كان يُظهِر ذلك الرجل من وراء دعوته للاجتماع، لكن، ما كان يبطنه فهو عكس ذلك تمامًا؛ فالجملة التالية الواردة في النص، توضّح لنا بشكل جلي، أن الاجتماع كان له سِمة صفقة تجارية واتفاقات وعقود مريبة، فبدل أن يسندوها ويعزوها ويحموها ويحافظوا على شرفها من أعدائها والطامعين بها، وهكذا كانوا يدّعون ويقولون، لكن وللأسف الشديد، اتفقوا على بيعها واشتركوا - كلهم - في إيقاع أكبر الأذى بها، بحيث كل منهم أخذ حصته ونصيبه منها، وتعاقبوا عليها ليغتصبوها ليدنّسوا شرفها، ولسان حال القصة تقول وتردّد المثل الشعبي الشائع: حاميها حراميها ، أي من ادّعى حمايتها هو نفسه الذي سرَقها.
للنص إسقاط سياسي على حال الأمة وواقعها المؤلم وموقف الكثير من الحكام حول قضية رئيسية مهمة لشعب مناضل يحيا في وطن أصيل جميل مقدّس وهو فلسطين، فبدل أن يتوحدوا و يقدموا ما يمكنهم تقديمه من أجل تحرير الأرض والمقدسات؛ نراهم يجرون الاتفاقات والصفقات ويعقدون المؤتمرات ويزايدون من أجل كسب الأنظار والمصالح ويتظاهرون أنهم حماة لواء المقاومة والتحرير ويتاجرون من أجل منافع زمنية على حساب القضية وشعب أغلبه مشرّد ومضطهَد، لوطنٍ مُحتَل لعقودٍ من الزمن، مؤتمراتهم تتكرّر، ولا يُجنى منها إلا تسليط أضواء واهتمام الإعلام على مقرّرات ، لا تُظهر إلا الفرقة والانقسام ولا تقدّم إلّا شعارات رنّانة ووعود كلامية لا طائل منها غير النشر في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وبسبب هذا الموقف السلبي، نرى إن البلدان العربية تُحتَل بلدًا بعد آخر والنيران تحرقها والشعوب تُضطهَد والأمة تتشرذم وتتشتَّتْ والوطن الكبير يئنُّ تحت نيرِ الغريب المُحتَل، كل هذا بسبب تهاون وتخاذل وتواطؤ مَن له القدرة على لم الشّمل وتوحيد الموقف وتوظيف الإمكانيات لرصِّ الصفوفَ لاتخاذ موقف حازم لصدِّ ووقف التداعي والتدهور الذي وصلت إليه الأمة، بل هناك مَن ساعد وسهّل ويسّر الأمر واشتركَ مع الطامع على أبناء جلدته، ليكرّس الحالة السلبية والواقع المر؛ لتبقى، بل لتسوء الأمور أكثر.
النص ينتمي إلى فن القصة قصيرة جدًا؛ نص جميل جدًا، رأينا فيه عنوانًا مُلمِّحًا غير كاشف ولمسنا به الحكائية والتكثيف والرمزية؛ يتصاعد فيه الحدث بشكل تصاعدي لينتهي بقفلة مباغتة.